فنزويلا ليس إستثناء
جعفر العلوجي
ما جرى مع فنزويلا لم يكن سوء تفاهم سياسي ولا خلافا دبلوماسيا عابرا، بل نموذجا فاضحا لسياسة الاستحواذ المقنعة بلغة الديمقراطية وحقوق الإنسان، الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب لم تخف نواياها تجاه كاراكاس بل أعلنتها بوضوح فج حصار خانق، تهديدات عسكرية، دعم محاولات انقلاب وتجفيف متعمد لكل شريان حياة اقتصادي يمكن أن يبقي الدولة واقفة على قدميها .
السؤال الحقيقي لماذا صادمت واشنطن فنزويلا ؟
بل كيف لا تصادمها وهي تجلس فوق كنز جيولوجي لا مثيل له؟
أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، غاز طبيعي وفير، ذهب وألماس وحديد وبوكسيت، مياه عذبة لا تنضب، طاقة كهرومائية عملاقة وأراض زراعية قادرة على إطعام شعوب، هذه ليست دولة فقيرة هذه دولة محاصرة لأنها غنية أكثر مما يجب .
منذ اللحظة التي قرر فيها الفنزويليون الاحتفاظ بقرارهم السيادي، والتصرف بثرواتهم خارج الوصاية الأمريكية وضعت البلاد على طاولة الاستهداف، لم يكن نيكولاس مادورو هو المشكلة كما لم يكن من قبله هوغو تشافيز، المشكلة أن هناك شعبا قال هذه ثرواتنا وهذا قرارنا ولن نكون مزرعة خلفية لأحد .
ترامب لم يحتاج إلى حرب تقليدية الحرب الحديثة لا تبدأ بالدبابات، بل بالعقوبات، لا تدار بالجنود بل بالبنوك لا تنفذ بالقصف، بل بتجويع الشعوب وخنق الدواء، وإشعال الفوضى من الداخل، ثم اتهام الضحية بالفشل
وحين فشلت العقوبات في كسر الدولة انتقلت واشنطن إلى مرحلة أخطر محاولة نزع الشرعية، الاعتراف برئيس مواز، التحريض العلني على الجيش والتلويح بالخيار العسكري، كل ذلك تحت شعار إنقاذ الشعب الفنزويلي، بينما الحقيقة أن الشعب نفسه كان يدفع الثمن الأكبر .
التصريحات التي خرجت من مسؤولين أمريكيين لم تكن زلات لسان حين يقال بوضوح إن نفط فنزويلا يجب أن يعود إلى السوق الأمريكية، فهذه ليست دبلوماسية بل اعتراف صريح بدافع الجريمة، إنها حرب موارد، حرب استحواذ، حرب قديمة بثوب جديد .
الأخطر أن ما جرى في فنزويلا ليس استثناء بل بروفة، السيناريو نفسه قابل للتكرار مع أي دولة تمتلك ثروة وترفض الاصطفاف أو تخرج عن الطاعة، تختلق الذرائع، تشيطن القيادة، يحاصر الشعب، ثم يقدم التدخل كعمل أخلاقي .
الوقوف مع فنزويلا هنا ليس موقفا أيديولوجيا بل موقفا إنسانيا وأخلاقيا وسياديا، لأن الصمت على هذا النموذج يعني القبول بتحويل العالم إلى غابة تنهش فيها الدول الضعيفة باسم القانون الدولي وتسرق الثروات باسم الحرية .
ما حدث مع فنزويلا جريمة سياسية مكتملة الأركان، حتى وإن لم تعلن كحرب رسمية، إنها حرب على القرار الوطني وعلى فكرة أن الشعوب قادرة على امتلاك ثرواتها دون إذن من الإمبراطورية،
واليوم فنزويلا وغدا أي دولة أخرى تملك ما لا يسمح لها بامتلاكه .
□ عن مجموعة واتساب