العراق ليس ساحة لحروب الآخرين
سدير فاروق نوري الراوي
في خضمّ التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، يجد العراق نفسه مرةً أخرى في قلب عاصفةٍ إقليمية لا ناقة له فيها ولا جمل. وبين التصريحات المتبادلة والتهديدات العسكرية، يبقى السؤال الأهم: لماذا يُراد للعراق أن يكون ساحةً لتصفية الحسابات؟
لقد دفع العراق ثمناً باهظاً عبر عقود من الصراعات. من حرب الثمانينيات، إلى الغزو عام 2003، مروراً بالحرب ضد الإرهاب، ظلّ المواطن العراقي هو الخاسر الأكبر. مدنٌ دُمّرت، وأرواحٌ أُزهقت، واقتصادٌ أُنهك، وأجيالٌ نشأت تحت أصوات الانفجارات لا في أجواء الاستقرار. واليوم، بعد كل ما مرّ به البلد، لا يمكن القبول بإعادة تدويره في طاحونة صراع جديد.
إن مبدأ الحياد ليس ضعفاً ولا تخلّياً عن العلاقات الدولية، بل هو موقف سيادي يحمي المصالح الوطنية ويُحصّن الداخل من ارتدادات الخارج. الحياد يعني رفض استخدام الأراضي العراقية منصةً للهجمات أو ساحةً للردود. ويعني أيضاً أن القرار العراقي يجب أن يُتخذ في بغداد، لا في عواصم أخرى.
لقد أثبتت التجارب أن أي تصعيد عسكري على الأراضي العراقية لا يخدم سوى زيادة الانقسام الداخلي وتعميق الأزمات الاقتصادية والأمنية. القذائف “الطائشة” لا تكون طائشة حين تسقط على بيوت المدنيين، بل تكون نتيجة مباشرة لسياسات تضع العراق في موقع المواجهة.
إن المطلوب اليوم سياسة خارجية متوازنة، تحافظ على علاقات طبيعية مع جميع الأطراف، دون انحيازٍ لمحورٍ ضد آخر. فالعراق قادر، بحكم موقعه وتاريخه، أن يكون جسراً للحوار بدل أن يكون خندقاً للقتال. وهذا الدور الدبلوماسي إن أُحسن استثماره، سيمنح البلاد مكانة إقليمية محترمة بدلاً من أن يجعلها ساحة صراع.
العراقيون لا يريدون حرباً جديدة. يريدون مدارس آمنة، ومستشفيات تعمل بكفاءة، وفرص عمل تحفظ كرامتهم، ومستقبلاً مستقراً لأبنائهم. لقد اكتفى العراق من الدماء والدمار.
فليكن الموقف واضحاً: سيادة العراق خط أحمر، وأرضه ليست ميداناً لحروب الآخرين.