الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تجربة عام مضى

بواسطة azzaman

تجربة عام مضى

مجيد العقابي

 

في ختام هذا العام، وبين تعب الجسد وضغط الأحداث ومسؤوليات الضيافة والواجب الاجتماعي، وجدتُ نفسي أمام تجربة شخصية تستحق التوقف عندها لا بوصفها حالة صحية فحسب، بل بوصفها مؤشرًا اجتماعيًا وثقافيًا على إمكانية التعافي، ليس للأجساد وحدها، بل للمؤسسات أيضًا. بعد الحادث المعروف الذي أصاب ولديَّ حسن ومحمد، وما رافق ذلك من إرهاق نفسي وجسدي، تفاقمت لديّ آلام قديمة في الرقبة والظهر، وظهرت أعراض جديدة في اليد اليسرى امتدت آثارها إلى الظهر، وهي مشكلات أعرفها منذ سنوات، تعود وتغيب، لكنها هذه المرة كانت أكثر وضوحًا وإلحاحًا. وبعد مراجعات طبية لم تُثمر كثيرًا، جاءت نصيحة أحد الأطباء الأصدقاء بالتوجه إلى مستشفى العلوم العصبية، فكانت تلك الخطوة كاشفة لتجربة مختلفة عمّا ألفناه في الذاكرة الجمعية عن الواقع الصحي في العراق.

ما وجدته هناك لم يكن مثاليًا، لكنه كان مشرقًا ومبشّرًا. مستشفى نظيفة، تنظيم واضح، تعامل مهني محترم، أطباء وملاكات طبية يتعاملون مع المريض بإنسانية وهدوء، وبيئة عامة منضبطة تعكس احترام المكان ووظيفته. مسألة اللباس، وهي قضية حساسة في مجتمعنا، بدت لي متوازنة في هذا المكان؛ لا فرض قسري ولا انفلات، بل احترام عام لخصوصية المؤسسة الطبية، مع بقاء علاقة الفرد بمعتقده وربه شأنًا شخصيًا لا يُستثمر للابتذال ولا للتشدد. حتى التفاصيل الصغيرة، كأماكن الشاي والقهوة الموزعة داخل المستشفى، تعكس فهمًا بسيطًا لكنه عميق لراحة المراجع، وهو ما تفتقر إليه مؤسسات كثيرة رغم سهولة توفيره.

أُجري لي فحص الرنين المغناطيسي، وانتظرت قرابة ساعة ونصف حتى صدور النتيجة، ثم دخلت على الطبيب، وكان التعامل مهنيًا واضحًا، بلا تعالٍ ولا استسهال، ثم أُحلت إلى العلاج الطبيعي، حيث قُررت لي ست جلسات علاجية اسبوعياً ، مع استخدام وسائل علاج كهربائي وغيرها، ببرنامج واضح ومنظم. نعم، كنت في الجناح الخاص، وهذا يتطلب كلفة مالية، لكن حين نقارن هذه الكلفة بما يُدفع خارج المستشفى ، ندرك أن الفارق شاسع، وأن ما نحصل عليه هنا بات – في بعض المواقع على الأقل – معقولًا ومشجعًا.

هذه التجربة، بكل بساطتها، أعادت لي شيئًا من الثقة بأن العراق ليس ساحة خراب مطلق، وأن التغيير لا يحدث دفعة واحدة، ولا بقرار فوقي فقط، بل يبدأ من الفرد، من الضمير المهني، من احترام الوظيفة، ومن الإحساس بأن ما نؤديه ليس مجرد دوام أو راتب، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية. القوانين وحدها لا تُصلح، والقرارات تبقى حبرًا على ورق إن لم تتوفر لها أدوات التنفيذ، وهذه الأدوات تبدأ بالإنسان نفسه: بابتسامته، بأمانته، بحسن تعامله، وبزرع الثقة بدل تكريس الشك، وبالأخلاق بدل الفوضى.

أكتب هذه الكلمات لا من باب التجميل ولا المجاملة، بل من باب الشهادة الواقعية. نعم، لدينا مشاكل كبيرة، ونواقص مؤلمة، لكن لدينا أيضًا نقاط ضوء إن أُحسن دعمها وتعميمها يمكن أن تتحول إلى مسار إصلاحي حقيقي. ما رأيته في هذه التجربة يؤكد أن التطور ممكن، وأن العراق ومجتمعه ودوائره يمكن أن تتقدم خطوة بعد أخرى، إذا آمن كلٌّ منا بدوره، وتحمّل مسؤوليته، وبدأ الإصلاح من نفسه قبل أن يطالب به الآخرين.

ملاحظة:أنا اتحرك بوصفي مواطن طبيعي ولا احب الظهور فلا تتصور لاني معروف او ارتدي العمامة حصل معي هكذا اصلا اذهب الى هذه الأماكن بلا عمامة لانني لا ارتدي زي للتعريف بي.

 

 


مشاهدات 31
الكاتب مجيد العقابي
أضيف 2026/01/03 - 1:43 AM
آخر تحديث 2026/01/03 - 3:22 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 114 الشهر 1320 الكلي 13108743
الوقت الآن
السبت 2026/1/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير