الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
وتبقى حواء مكسورة الجناحِ

بواسطة azzaman

وتبقى حواء مكسورة الجناحِ

محمد خضير الانباري

 

لمْ تخلقْ حواءْ ضعيفة، لكنها كثيرا ما وضعتْ في مواضعِ الكسرِ بينَ تقاليدَ تقيدُ أحلامها، ونظراتُ تحملها ذنبَ ما لمْ ترتكبه، تمضي المرأةُ وهيَ تحاولُ أنْ تحلقَ بجناحٍ واحد. تمنحَ الأدوارُ وتسلبُ الاختيارات، ويطلبَ منها الصبرُ أكثرَ مما يطلبُ العدل. وبينَ ما هيَ عليهِ حقا، وما يرادُ لها أنَ تكونه، تبقى حواءْ مكسورةً الجناحِ … لا لأنها عاجزة، بلْ لأنَ الكسرَ فرض عليها طويلا.

خلالَ متابعتي لما تنشرهُ وسائلُ الإعلامِ المختلفةِ عنْ نشاطاتِ الوفودِ العراقيةِ خلالَ مشاركاتها في المؤتمراتِ الدولية، لفتَ انتباهي أحدَ الاجتماعاتِ التي عقدتْ بينَ وفدٍ عراقيٍ ونظيرهِ الأجنبيِ لإحدى الدول. إذ؛ تألفَ الوفدُ العراقيُ منْ ستةِ أشخاصِ جميعهمْ منْ الرجالِ منْ ذوي البشرةِ السمراء، بينما ضمَ الوفدُ المقابلُ أربعَ نساءٍ فقطْ منْ الشقراوات- كانَ اللهُ في عونِ وفدنا الكريم- إلى جانبِ مترجمٍ واحدٍ منْ الرجال.

ندوات وورش

 لقدْ استوقفني هذا المشهدِ كثيرا، ولا سيما ونحنُ نمضي أوقاتا طويلةً ونستمعُ ونشاهدُ ونشاركُ في ندواتنا وورشنا اليوميةَ نكررُ الحديث، حتى أرهقتنا السيدتانِ الاستاذتين (الزهرائتين) عنْ دورِ المرأةِ وحقوقها، وهيَ قضايا تحتلُ مساحةً واسعةً منْ برامجنا التوعويةِ والتعليمية، لدرجةَ أننا نتوقفُ أحيانا عنْ إلقاءِ محاضراتنا العلميةِ التي جئنا منْ أجلها، سواءً في التعريفِ بحقوقِ المرأةِ الدستورية، أوْ إبرازِ دورها في الأسرةِ والتربية، أوْ التأكيدِ على قدرتها على تولي المناصبِ القيادية، في ضوءِ الشهاداتِ العلميةِ التي تؤهلها لشغلِ مختلفِ الوظائفِ العسكريةِ والمدنيةِ في السلطاتِ التنفيذيةِ والتشريعيةِ والقضائيةِ كافة، وهوَ ما نعدهُ مصدرَ فخرٍ واعتزازٍ لنا، ولنسائنا في موقعِ المسؤولية.

ثمَ نشاهد، وفدا عراقيا يشاركُ في مؤتمرٍ ذي طابعٍ إنسانيٍ — وهوَ مجالٌ تعدْ المرأةُ أقربَ إليهِ بحكمِ طبيعةِ دورها — خالٍ منْ العنصرِ النسوي- ، حتى ولوْ منْ بابِ المجاملةِ أوْ لإيصالِ رسالةٍ للخارجِ بأنَ المرأةَ العراقيةَ حاضرةٌ وفاعلةٌ في مختلفِ الميادين، لا يسعنا عندئذٍ إلا أنْ نرددَ قولهُ تعالى: ( وما ظلمناهمْ ولكنْ كانوا همْ الظالمون) سورة الزخرف ، الآية : 43..

والأكثرَ إثارةً في هذا الموضوع، أنَ أعضاءَ الوفد، هناكَ فيهم، ممنْ قدْ يتحرجُ بعضهمْ في بيئتهِ الريفيةِ منْ الحديثِ المباشرِ معَ امرأة، أوْ يكتفي بخفضِ رأسهِ حياءً عندَ الحديثِ معها، فلا يراها بلْ يكتفي بسماعِ صوتها، امتثالٌ للأعرافِ الاجتماعيةِ السائدةِ في بعضِ مدننا وقرانا، ولكنْ هنا يظهرونَ في مشهدٍ مغايرٍ تماما؛ إذْ يديرونَ حوارا مفتوحا، ويتبادلونَ نقاشا تفاوضيا بصفتهمْ متحدثينَ ومحاورينَ معَ الجنسِ الآخر.    

 وهنا يبرزُ السؤالُ المشروع: أليسَ منْ الممكنِ إشراكُ عددٍ منْ النساءِ المتخصصاتِ في مواضيعَ هذهِ المؤتمراتِ ضمنَ هذهِ الوفود؟ أمْ أنَ هناكَ اعتباراتُ أوْ فتاوى منْ بعضِ الجهاتِ تحولُ دونَ ذلك، وتحرمَ المرأةُ منْ حقها الطبيعيِ في تمثيلِ مؤسستها في القضايا الخارجيةِ ضمنَ المؤتمراتِ الدولية؟

وللطرافة، فقدٌ عرفَ عنْ الشعبِ العراقيِ بسرعةِ البديهةَ وحسَ النكتة، ولا سيما في تناولهِ القضايا السياسيةَ والاجتماعيةَ ، وكثيرا ما تنتشرُ حكاياتٍ ساخرة، منها قصةَ امرأةٍ تشكُ في علاقاتِ زوجها خارجَ إطارِ العلاقةِ الزوجية، فتقومُ بإنشاءِ حسابٍ وهميٍ للتعرفِ عليه، فتجدهُ لطيفا، ناعم الكلام، دبلوماسيُ الأسلوب، أحنُ منْ نسيمْ عابر. لكنَ المفارقةَ أنهُ في البيتِ يتحولُ إلى ديكتاتور، وكلَ كلامهِ شوكٌ وسكين، لا يعرفُ سوى القسوةِ والردِ الجاف، وينسى كلُ ما سواه، ولا يستحضرُ في تصرفاته، وعندَ النقاشِ معه، إلا، قولهُ تعالى: (الرجالُ قوامونَ على النساءِ ) ، ويستشهدَ بأحاديثِ غيرِ متفقٍ على صحتها مثل مقولةٍ (المرأةُ ناقصةً عقل ودين ) ، منْ دونِ الرجوعِ إلى التفاسيرِ الصحيحةِ التي تنقضُ هذا الفهمِ المغلوط. أليسَ هذا واقعا نلمسهُ في بعضِ رجالنا! .

عبر واحكام

 فتاريخُنا، كلِه عبرٍ وأحكام، وما بلقيسْ إلا شاهدٌ على القوةِ والشجاعةِ والقيادةِ لشعبها، واستذكرَ قولهُ تعالى: ( إني وجدتُ امرأةً تملكهمْ وأوتيتْ منْ كلِ شيءٍ ولها عرشٌ عظيم) سورةَ النمل: 27. إذ؛ تؤكدُ هذه الآيةُ الكريمة، على أنَ القوةَ والقيادةَ ليستا حكرا على الرجال، وأنَ المرأةَ قادرةٌ — إذا توافرتْ لها الأسباب- على الحكم، واتخاذَ القرار، وبناءُ دولةٍ قوية، معَ بقاءِ معيارِ التفاضلِ الحقيقيِ هوَ الحكمةُ والإيمانُ وحسنُ التصرفِ لا الجنس.

ومنْ أبرزِ الأدلةِ الدستوريةِ الواضحةِ في عراقنا الحديث، التي يستندُ إليها المختصونَ في إقرارِ حقِ المرأةِ في تولي المناصبِ السياسية، ما وردَ في دستورِ جمهوريةِ العراقِ لسنةِ 2005، ولا سيما المادةُ (14) التي نصتْ على أنَ (العراقيينَ متساوونَ أمامَ القانونِ دونَ تمييزِ بسببِ الجنسِ أوْ العرقِ أوْ القوميةِ أوْ الأصلِ أوْ اللونِ أوْ الدينِ أوْ المذهبِ أوْ المعتقدِ أوْ الرأيِ أوْ الوضعِ الاقتصاديِ أوْ الاجتماعيِ ) . كما أكدتْ المادةُ (16) على أنَ (تكافؤُ الفرصِ حق مكفولٍ لجميعِ العراقيين، وتكفلَ الدولةُ اتخاذَ الإجراءاتِ اللازمةِ لتحقيقِ ذلكَ ) .

ومنْ هذا المنطلق، أوجهٌ خطابيٍ إلى نساءِ العراق: إنَ حقوقكنَ لا تمنحُ بلْ تنتزعُ بالوعي والمطالبةِ المشروعة. وإذا ما أغلقتْ أبوابُ الأعرافِ والتقاليد، فإنَ الدستورَ هوَ بابكنَ الواسع، والقانونُ أداتكن، والقضاءُ العادلُ طريقكنَ المشروعَ لحمايةِ الكرامةِ واستردادِ الحقوق.

 ابدأنَ اليومُ بالمطالبةِ بترسيخِ وجودكنَ في كلِ وزارةٍ منْ وزاراتِ الحكومةِ الجديدة، منْ خلالِ شغلِ منصبِ الوكيلِ الأقدمِ ، كلما كانَ الوزيرُ رجلا، بوصفِ ذلكَ حقا دستوريا لا يقبلُ التهميشُ أوْ التسويف.

 


مشاهدات 34
الكاتب محمد خضير الانباري
أضيف 2026/01/03 - 1:18 AM
آخر تحديث 2026/01/03 - 2:51 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 110 الشهر 1316 الكلي 13108739
الوقت الآن
السبت 2026/1/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير