فنزويلا .. حين تسقط الشعارات وتبقى الحقائق
احمد الجنابي
تكشف التجربة الفنزويلية، بما شهدته من ضغوط أمريكية خانقة وانكشاف سياسي حاد، عن جملة من الحقائق التي لم تعد قابلة للتجاهل في عالم تحكمه موازين القوة لا الخطابات. وما يجري اليوم في فنزويلا ليس حدثًا معزولًا، بل نموذجًا يتكرر كلما غابت الدولة القادرة وحضرت الأوهام السياسية.
أولًا: الردع هو لغة العالم الحقيقية
أثبتت الوقائع أن الولايات المتحدة وحلفاءها لا يتعاملون بندّية مع دول تفتقر إلى عناصر الردع الفاعلة. فالقوة، بمختلف أشكالها، هي التي تفرض الاحترام وتحمي السيادة، أما الدول الضعيفة فتبقى ساحات مفتوحة للضغط والتدخل مهما رفعت من شعارات.
ثانيًا: وهم الحليف الدائم
اعتمدت فنزويلا طويلًا على مظلة سياسية دولية تقودها روسيا والصين، لكن ساعة الاختبار كشفت أن المصالح تتقدم على المبادئ، وأن الحليف قد يتراجع حين ترتفع كلفة المواجهة. في السياسة الدولية، لا صداقة دائمة بل مصالح متغيرة.
ثالثًا: الخطاب لا يبني دولة
أظهرت التجربة أن الشعارات الثورية والخطابات العاطفية لا تصنع اقتصادًا، ولا تحمي مجتمعًا، ولا تمنع الانهيار. بل غالبًا ما تكون ستارًا يُخفي الفشل، ويؤدي إلى تآكل الحاضنة الاجتماعية وانتشار الفقر والجهل والمرض.
العراق… الدرس الأقرب والأخطر
إن ما حدث في فنزويلا ليس بعيدًا عمّا عاشه ويعيشه العراق. دولة أُنهكت بالصراعات، وتاه قرارها بين محاور متنافسة، واعتُمد فيها الخطاب بدل التخطيط، والولاءات بدل بناء المؤسسات.
ثمن غياب
العراق، مثل فنزويلا، دفع ثمن غياب المشروع الوطني الجامع، والارتهان للخارج، والاكتفاء بالشعارات بدل إصلاح الاقتصاد وبناء دولة القانون. والنتيجة واحدة: ضعف السيادة، هشاشة القرار، وتراجع ثقة المواطن بدولته.
الخلاصة
الدرس واضح وقاسٍ:
الدولة التي لا تبني قوتها الذاتية، ولا تحصّن قرارها الوطني، ولا تقدّم مصلحة شعبها على شعاراتها، ستبقى عرضة للابتزاز والانهيار. ما بين فنزويلا والعراق مسافة جغرافية بعيدة، لكن الدرس واحد: العالم لا يحترم إلا الدول القادرة، ولا يرحم من يكتفي بالكلام.