البداية عام 1997 والهدف تأسيس منظمة
قصة عشق لقره داغ تمخضت عن محمية طبيعية
السليمانية - باسل الخطيب
تجسد قصته الوفاء بأبهى صوره، فبعد أن ولد وترعرع في منطقة قره داغ (الجبل الأسود)، عشق طبيعتها الأخاذة وتعلم وعلم فيها، وقاتل دفاعاً عنها حتى آذار/ مارس 1991 عندما انتصرت انتفاضة شعب كردستان. وما أن سنحت له الظروف حتى عاد إليها ليخوض صراعاً جديداً مختلفاً هذه المرة، لحماية طبيعة المنطقة وبيئتها، فأقام فيها محمية طبيعية وفر من خلالها ملاذاَ آمناً للحيوانات البرية والغطاء النباتي المميز بكل ما توافر له من إمكانيات شخصية.
قرب الجنة
إنه جلال كريم عيسى، الذي ولد في قرية تحمل الكثير من دلالات اسمها، وهي كريجنة (قرب جنة)، في منطقة قره داغ عام 1952، لما تتميز به من طبيعة جبلية ساحرة، ومناخ معتدل، وينابيع عذبة، ونباتات وحيوانات برية مختلفة الأنواع والأصناف.
وتقع منطقة قره داغ أو جبل قره داغ، جنوب مدينة السليمانية في كردستان العراق، بين خطي عرض 35° 07 −35° 30 شمالاً و45° 11 −45° 29 شرقاً.. وتشكل جزءاً من منطقة سهوب زاغروس البيئية في المنطقة الإيرانية - الطورانية، ويتراوح ارتفاع الجبل بين 610 أمتار بالقرب من قرية بلخا و1854 متراً، وهي أعلى قمة فيه فوق قرية قوبي حماه حواس (قمة زردة). ويبلغ طوله حوالي 55 كيلومتراً وعرضه حوالي 16 كيلومتراً، وتبلغ مساحته الإجمالية حوالي 450 كيلومتراً مربعاً.
وترسخ حب عيسى للطبيعة وحرصه على حمايتها، وما أن سنحت له الظروف حتى جسد ذلك الحب عملياً بإقامة محمية طبيعية في قره داغ، للمحافظة على مواردها البيئية، ومنع تدهورها، ومنحها الفرصة لاستعادة حيويتها وحماية تنوعها الحيوي من مختلف النشاطات البشرية، لاسيما القطع العشوائي لنباتاتها والصيد الجائر لحيواناتها.. كيف لا وهو الذي لم يطلق رصاصة واحدة على حيوان بري منذ عام 1991 وحتى الآن، بحسب قوله.. ويضيف أنه حتى «أيام نضالنا ضمن قوات البيشمركة لم نكن نصطاد الحيوانات البرية إلا عند الضرورة القصوى عندما لم يكن لدينا ما نأكله».
فعلى مدى حوالي 20 كلم طولاً و10 كلم عرضاً، أقام عيسى محميته الطبيعية التي تزخر بغطاء نباتي يضم بنحو أساس أشجار البلوط، البطم، الأسفندان (قيقب)، الزعرور، العرموط البري وغيرها، فضلاً عن عشرات الأنواع من الأعشاب والشجيرات البرية التي للعديد منها فوائد طبية وعلاجية، علماً أن هنالك نحو 960 نوعاً نباتياً في قره داغ.
والمحمية الطبيعية هي منطقة جغرافية محددة المساحة تُخصص للمحافظة على الموارد البيئية المتجددة وتطبيق النظم الجيدة لاستثمارها. وتتميز بأنها قد تحتوي على نباتات أو حيوانات مهددة بالانقراض مما يستلزم حمايتها من التعديات الإنسانية والتلوث.
وتضم المحمية، التي بدأ العمل فيها عام 1997، بحسب جلال كريم عيسى، عشرات الأنواع من الحيوانات البرية، منها الماعز البري، الفهد الكردي (فهد زاكروس)، القط البري، الأرانب، السناجب، الخنازير البرية، الذئاب، الثعالب، الدعلج، ابن عرس وغيرها، فضلاً أنواع مختلفة من الطيور.
كما تضم المحمية أيضاً، عشرة عيون ماء طبيعية يتم العناية بها وتنظيفها باستمرار، حيث تمت إقامة مسارات لنقل الماء إلى أعلى منطقة في المحمية، يبلغ ارتفاعها 1870 متر عن سطح البحر، بالمضخات، وخزانات لحفظ الماء، وتسعة أحوض مخصصة لشرب الحيوانات البرية موزعة على أنحاء المحمية، وشق عدة طرق، على نفقته الخاصة، لتسهيل التنقل عبر أنحاء المحمية.
مراقبة محمية
وقام عيسى، بنصب عدة كاميرات تعمل بالطاقة الشمسية، لمراقبة المحمية ورصد أي خرق تتعرض له من قبل من يحاولون الصيد الجائر أو قطع الأشجار، فضلاً عن متابعة أوضاع الحيوانات وأي حالة طارئة، لاسيما الحرائق التي تطال المنطقة لأسباب طبيعية أو بشرية، بنحو يتيح التدخل السريع لإخمادها، بمساعدة الجهات المعنية والأهالي.
ويعمل في المحمية سبعة عمال يتولون متابعة أوضاعها، وتنظيف العيون وضخ المياه للخزانات والأحواض، وعلاج الحيوانات وإطعامها، لاسيما عند تساقط الثلوج شتاءً، فضلاً عن التنسيق مع الجهات المعنية للتصدي لأي عمليات صيد جائر أو قطع للأشجار أو حالة طارئة.
ويطمح جلال كريم عيسى، كما أخبرنا، لتأسيس منظمة بيئية تركز نشاطها على المنطقة، وتستقطب الباحثين من مختلف الجهات العلمية والأكاديمية، والمهتمين ومحبي الطبيعة، للمحافظة على المحمية، وتطوير عملها على أسس علمية سليمة.. ويخطط لاستقطاب جهات علمية وبحثية وإعلامية عالمية للهدف ذاته، فضلاً عن التعريف بمنطقة قره داغ وحماية إرثها الطبيعي، وذلك بالتعاون مع عدة جهات معنية، لاسيما مؤسسة نباتات كردستان. ويدعو عيسى الجهات المعنية إلى «الاهتمام بالبيئة وحمايتها من التلوث وإلى إقامة عدة محميات طبيعية في أنحاء كوردستان للمحافظة على ما تبقى من حياة برية في الإقليم بعامة»، ويعرب عن أسفه لأن السنوات الماضية «شهدت تراجعاً مؤسفا بالغطاء النباتي وانقراضاً للعديد من الحيوانات لاسيما الدببة، الوعول، الكباش البرية وغيرها».