العراق بين تشريع الأمس واستحقاقات الغد
تعديل قانون البيئة كمدخل للعدالة المناخية
جاسم عبد العزيز الفلاحي
حين صدر قانون حماية وتحسين البيئة رقم 27 لسنة 2009، كان خطوة متقدمة في مسار طويل لبناء منظومة تشريعية تحمي البيئة العراقية. في ذلك الوقت جاء القانون ليحدد لأول مرة وبوضوح مسؤوليات الدولة والمجتمع والقطاع الخاص في صون مواردنا الطبيعية والتنوع الأحيائي وصحة المواطنين. لكنه جاء في سياق مختلف، حيث لم تكن أزمة تغيّر المناخ بالحدة التي نلمسها اليوم، ولم تكن أزمة المياه بهذا العمق، ولم تكن موجات التصحر قد ابتلعت كل هذا القدر من أرض العراق.
لقد كان لدور حكومة دولة رئيس الوزراء المهندس محمد شياع السوداني أثر واضح في إعادة الاعتبار للبيئة كأولوية وطنية. فقد وضعت الحكومة منذ توليها ملف التغير المناخي والتدهور البيئي في صدارة برنامجها، وأطلقت سلسلة من المبادرات، من بينها إعلان خطة التشجير الوطنية لزراعة خمسة ملايين شجرة، والبدء بمشاريع للحد من حرق الغاز المصاحب، إلى جانب دعم إعداد الاستراتيجية الوطنية للبيئة 2024–2030 بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. كما أولت اهتمامًا كبيرًا بالإعلام والتوعية البيئية والمناخية من خلال استضافة مؤتمر الإعلام البيئي مباشرة بعد قمة بغداد.
ملف التغيرات المناخية
ويمكن القول إن هذه الحكومة قد أولت اهتمامًا غير مسبوق بملف التغيرات المناخية، تجسّد في تشكيل الفريق التفاوضي الوطني للتغيرات المناخية ليكون صوت العراق في المحافل الدولية، مدافعًا عن حقوقه المشروعة في الحصول على الدعم الدولي، وساعيًا إلى تفعيل الآلية التعويضية التي أقرها اتفاق باريس للمناخ، والتي تتيح للدول الهشة والنامية مثل العراق المطالبة بتمويل عادل ومعالجة الأضرار الناتجة عن التغيرات المناخية.
هذه الرؤية تعكس قناعة راسخة بأن البيئة لم تعد هامشًا، بل هي ركيزة أساسية في مسار الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي الذي تتبناه الحكومة، وأن تعديل التشريعات ليس مجرد جهد قانوني بل هو جزء من إرادة سياسية عليا لتأمين مستقبل أكثر عدالة واستدامة للعراق.
اليوم، وبعد أكثر من خمسة عشر عامًا، نقف أمام واقع جديد. فالعراق بات مصنفًا ضمن أكثر خمس دول هشاشة في العالم أمام التغير المناخي، ودرجات الحرارة ترتفع بمعدلات تفوق المتوسط العالمي، إضافة إلى أن موجات الجفاف تحوّل مئات الآلاف إلى نازحين داخليين، والعواصف الغبارية تضاعفت حتى تجاوزت 270 يومًا في السنة، وأكثر من 70 بالمئة من أراضينا الزراعية تأثرت بالتصحر، فيما تتناقص واردات المياه العذبة من دجلة والفرات إلى مستويات خطيرة. وأمام هذه التحديات، لا يمكن أن يبقى قانون 2009 كما هو؛ فقد حان الوقت لتعديله جذريًا حتى يصبح أداة فعّالة للعدالة المناخية والتنمية المستدامة.
لا بد أولًا أن نعترف بأن المناخ هو من قلب المعادلة، ونحن نرى اليوم أن كل أبعاد حياتنا متأثرة به؛ من الأمن الغذائي إلى الصحة العامة إلى الهجرة. وإدخال مفهوم العدالة المناخية في صلب القانون يعني أن نضع حماية الفئات الأضعف – الفلاحين، سكان الأهوار، والنازحين بسبب الجفاف – في مقدمة أولوياتنا، وأن نضمن أن مستقبل شباب العراق لن يكون ضحية أزمة لم يتسببوا بها. وفي الوقت نفسه علينا أن نخلق توازنًا يحمي حق العراق بالتنمية. هذا التوازن ليس أمرًا اختياريًا للعراق، بل مسألة بقاء. فميزانية العراق تعتمد حتى اليوم على النفط بأكثر من 90 بالمئة من إيراداته العامة بحسب تقارير وزارة المالية وصندوق النقد الدولي. وفي الوقت ذاته، عاش العراق لعقود طويلة ويلات الحروب والحصار، ثم حرب داعش وما خلّفته من دمار للبنى التحتية وتهجير الملايين. لذلك، فإن أي تعديل قانوني يجب أن يعكس هذه الحقيقة المزدوجة: نحن بحاجة إلى حماية بيئتنا ومناخنا، لكننا في الوقت نفسه نحتاج إلى ضمان حقنا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. هذا استحقاق وطني مشروع ينسجم مع مبادئ العدالة المناخية العالمية التي تعترف بحق الدول النامية في النمو مع مراعاة مسؤولياتها المناخية.
من هنا، فإن القانون المعدل يجب أن يكون شاملًا. البيئة لا تحميها النصوص وحدها، بل تحميها المشاركة والرقابة والوعي. ولذلك، من الضروري أن يفتح التعديل الباب أمام مشاركة حقيقية للمنظمات المدنية والجامعات والكوادر الشابة. عندما نتيح للشباب أن يكونوا جزءًا من مراقبة التنفيذ وصناعة القرار البيئي، فإننا نضمن أن تتحول التشريعات إلى واقع ملموس.
لكن النصوص وحدها لا تكفي إن لم تكن هناك مساءلة ورقابة صارمة. كثير من المخالفات البيئية في الماضي لم تُعالج بسبب ضعف العقوبات أو تراخي الرقابة. القانون المعدل سيغطي هذه الثغرات، عبر رفع سقف الغرامات، وتمكين الشرطة البيئية وأجهزة التفتيش من سلطات أوسع، وفرض إجراءات تصاعدية تصل إلى الإغلاق الكامل للمنشآت الملوِّثة. الرسالة هنا واضحة: لا أحد فوق القانون البيئي.
تحديث شامل
التعديلات من المؤمل أيضًا أن تشمل تحديثًا شاملًا لإدارة النفايات والموارد المائية والتلوث الصناعي. لم يعد مقبولًا أن تُرمى المخلفات في دجلة والفرات، أو أن تُترك المخلفات النفطية من دون معالجة. والعراق، كدولة نفطية، يجب أن يتحرك بقوة نحو تقليل حرق الغاز المصاحب، لا فقط لحماية البيئة وإنما للاستفادة منه اقتصاديًا. هنا يتقاطع القانون مع مفهوم الاقتصاد الأخضر: فعندما نستثمر في إعادة التدوير والطاقة النظيفة وتقنيات خفض الانبعاثات، نحن لا نحمي بيئتنا فحسب، بل نخلق آلاف الوظائف الجديدة ونفتح الباب أمام استثمارات دولية، ونحوّل التحديات البيئية إلى فرص للتنمية والنمو.
والأهم من ذلك أن هذا التعديل سيجعل العراق جزءًا من المنظومة العالمية. حيث انضم العراق إلى اتفاقية باريس للمناخ عام 2021 بعد تصويت البرلمان على المصادقة، ليضع نفسه ضمن الدول الملتزمة بخفض الانبعاثات وتقديم مساهمات وطنية (NDCs). كما انضم إلى اتفاقية التنوع البيولوجي عام 2009، وإلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر عام 2008، ووقّع على اتفاقية رامسار للأراضي الرطبة عام 2007، إلى جانب مشاركته في اتفاقية بازل بشأن التحكم في نقل النفايات الخطرة والتخلص منها. هذه الالتزامات الدولية ليست حبرًا على ورق، بل ستنعكس مباشرة في نصوص القانون المعدل، بحيث تصبح سياساتنا البيئية متناغمة مع التزاماتنا العالمية، وتُسهّل علينا الوصول إلى التمويل الأخضر والدعم الدولي. إن العراق، عبر هذا القانون المعدل، لا يكتفي بالبحث عن حلول داخلية، بل يقدّم نفسه كنموذج إقليمي في تحديث التشريعات وربطها بالاتفاقيات الدولية. وهذا بحد ذاته رسالة مهمة للجهات المانحة والمجتمع الدولي: نحن جادون، نحن نواكب، ونحن قادرون على تحويل الالتزامات إلى واقع عملي.
ويبقى الشباب العراقي في صميم هذا المسار، فهم حراس العدالة المناخية، ومن سيحوّلون نصوص القانون إلى واقع يحمي المستقبل قبل الحاضر.
إن تعديل قانون حماية وتحسين البيئة رقم 27 لسنة 2009 ليس مجرد تحديث إداري؛ إنه إعلان عن بداية جديدة. بداية لعراق يرى في أزماته فرصة لبناء اقتصاد أخضر، ولتحويل التحديات المناخية إلى منصات للتعاون الدولي. هو خطوة تاريخية تضع العراق على طريق أن يكون فاعلًا لا متلقيًا، مُلهمًا لا متأثرًا فقط، وصوتًا عربيًا ودوليًا في معركة العدالة المناخية.
□ الوكيل الفني لوزارة البيئة