في ليلة غرق سفينة «تيتانيك»؛ عُثر على طفلين صغيرين، لا يُعرف لهما أبٌ ولا أم، ولا يُعرف اسمهما أو من أين قدِما. أطلقت عليهما الصحف حينها لقب «أيتام تيتانيك»، لكن خلف وجهيهما البريئين كانت هناك قصة تمزج بين الحُب والخُذلان، والأمل والمأساة، والشوق والفقد. كان والدهما يُدعى ميشال نافرا تيل، وُلِد عام 1880، وتنقَّل بين عدة دول قبل أن يستقر في مدينة نيس الفرنسية، حيث افتتح محلاً للخياطة ونجح في عمله. تزوَّج من فتاة فرنسية تُدعى مارسيل كاريت، وأنجبا طفلين: ميشال الصغير وإدموند. لكن مع مرور الوقت، تلاشى الحب، وبدأت الخلافات تدبُّ في البيت. تدهورت حالته المادية وتراكمت عليه الديون، وهدَّدهُ القضاء بفقد حضانة الطفلين. لم يتحمَّل ذلك، فقرَّر الهرب بهما إلى أمريكا، معتقدًا أنَّهُ بذلك يمنحهم بداية جديدة، أو يهرب من نهاية لم يعد يحتملها. باع متجره بثمن زهيد لرجل يُدعى لويس هوفمان، واستعار منهُ جواز سفره، ثم زيَّف هويته وسجَّل اسمه باسم هذا الرجل. طلب من دار الرعاية لقاءً مع طفليه في إحدى المناسبات، ووقّع على تعهد بإعادتهما؛ لكنه لم يكن ينوي العودة. غادر فرنسا إلى ساوثهامبتون، ثم صعد على متن الباخرة العملاقة «تيتانيك» مع الطفلين، يحمل في قلبه وعدًا بحياة جديدة، بينما كانت الأيام تخبئ لهُ مصيرًا مختلفًا تمامًا. في ليلة الغرق، استيقظ الأب على الفوضى، فضمَّ طفليه إلى صدره، قبّلهما، ثم وضعهما في أحد قوارب النجاة الأخيرة. كانت آخر الكلمات التي قالها لهما مؤثرة وقد رسخت مثل وشم النار في ذاكرتهما برغم مرور السنين. نجا الطفلان، لكن والدهما أصبح طعاماً للكائنات البحرية، إذْ كانت إجراءات الإنقاذ واضحة:» النساء والأطفال أولاً»، أما الرجال، فمصيرهم الغرق أو النسيان. حين وصل الطفلان إلى نيويورك، لم يكن لدى أحد أدنى فكرة عن هويتهما. فالأب استخدم اسمًا مزورًا، ولم يذكر أي عنوان أو تفاصيل عن الأم. تبنّتهما سيدة أمريكية مؤقتًا، ولقَّبتهما الصحف «بأيتام تيتانيك». لكن أحد الصحفيين لاحظ أنهما يتحدَّثان الفرنسية، فقام بنشر صورهما في الصحف الفرنسية، على أمل أنْ يتعرف عليهما أحد. وقد حدث ذلك بالفعل. رأت الأم الصورة، فسافرت إلى أمريكا، وهناك عانقت طفليها، بعدما ظنت أنها فقدتهما للأبد. كَبُر الطفلان، واحتفظا بذكرى والدهما في قلبيهما، رغم كل ما حدث. ميشال أصبح أستاذًا للفلسفة في جامعة مونبلييه؛ أما إدموند، فقد أصبح مهندسًا معماريًا، لكنه توفي شابًا عام 1953 عن عمر 43 عامًا. أما ميشال، فعاش حتى عام 2001، وتوفي عن عمر 92 عامًا، وكان آخر رجل راشد نجا من «تيتانيك». في مقابلة نادرة لهُ وهو كهل، قال: كنت في الرابعة من عمري فقط حين غرقت السفينة، لكنني لا أنسى ما قاله لي والدي: « يا بني، عندما تلتقي بوالدتك؛ أخبرها أنني أحببتها كثيرًا، وما زلت أحبها». هذه الحكاية المثيرة التي نقلتها لكم من صفحات الفيس بوك، لم أتدخَّل في سياق سردها إلاَّ في تشكيل وتقويم بعض المفردات، لكنَّها وضعتْ أمامي صورة الأطفال الذين أصبحوا أيتاماً نتيجة مقتل آبائهم في الحروب والكوارث، وتخيَّلتُ كم من الأيتام تركت لنا الحروب العبثية نتيجة دموية وثن ساحة الفردوس، وكم تركت لنا من الأيتام تلك العمليات الإرهابية التي عاثت طويلاً في البلاد، وكم تركت لنا من الأيتام مجزرة سبايكر وحريق عرس الحمدانية ومشفى ابن الخطيب، وآخرها تُرى كم هو عدد الأيتام في حريق هايبر ماركت في الكوت؛ وهل الحكومة اكتفت بتعويض عوائل الضحايا بحفنة دنانير؛ وتناستْ مصير مئات الأيتام الذين لا نعرف أي مصير مجهول ينتظرهم؟