الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أيتام

بواسطة azzaman

أيتام

حسن‭ ‬النواب

 

في‭ ‬ليلة‭ ‬غرق‭ ‬سفينة‭ ‬‮«‬تيتانيك»؛‭ ‬عُثر‭ ‬على‭ ‬طفلين‭ ‬صغيرين،‭ ‬لا‭ ‬يُعرف‭ ‬لهما‭ ‬أبٌ‭ ‬ولا‭ ‬أم،‭ ‬ولا‭ ‬يُعرف‭ ‬اسمهما‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬قدِما‭. ‬أطلقت‭ ‬عليهما‭ ‬الصحف‭ ‬حينها‭ ‬لقب‭ ‬‮«‬أيتام‭ ‬تيتانيك‮»‬،‭ ‬لكن‭ ‬خلف‭ ‬وجهيهما‭ ‬البريئين‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬قصة‭ ‬تمزج‭ ‬بين‭ ‬الحُب‭ ‬والخُذلان،‭ ‬والأمل‭ ‬والمأساة،‭ ‬والشوق‭ ‬والفقد‭. ‬كان‭ ‬والدهما‭ ‬يُدعى‭ ‬ميشال‭ ‬نافرا‭ ‬تيل،‭ ‬وُلِد‭ ‬عام‭ ‬1880،‭ ‬وتنقَّل‭ ‬بين‭ ‬عدة‭ ‬دول‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يستقر‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬نيس‭ ‬الفرنسية،‭ ‬حيث‭ ‬افتتح‭ ‬محلاً‭ ‬للخياطة‭ ‬ونجح‭ ‬في‭ ‬عمله‭. ‬تزوَّج‭ ‬من‭ ‬فتاة‭ ‬فرنسية‭ ‬تُدعى‭ ‬مارسيل‭ ‬كاريت،‭ ‬وأنجبا‭ ‬طفلين‭: ‬ميشال‭ ‬الصغير‭ ‬وإدموند‭. ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬تلاشى‭ ‬الحب،‭ ‬وبدأت‭ ‬الخلافات‭ ‬تدبُّ‭ ‬في‭ ‬البيت‭. ‬تدهورت‭ ‬حالته‭ ‬المادية‭ ‬وتراكمت‭ ‬عليه‭ ‬الديون،‭ ‬وهدَّدهُ‭ ‬القضاء‭ ‬بفقد‭ ‬حضانة‭ ‬الطفلين‭. ‬لم‭ ‬يتحمَّل‭ ‬ذلك،‭ ‬فقرَّر‭ ‬الهرب‭ ‬بهما‭ ‬إلى‭ ‬أمريكا،‭ ‬معتقدًا‭ ‬أنَّهُ‭ ‬بذلك‭ ‬يمنحهم‭ ‬بداية‭ ‬جديدة،‭ ‬أو‭ ‬يهرب‭ ‬من‭ ‬نهاية‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يحتملها‭. ‬باع‭ ‬متجره‭ ‬بثمن‭ ‬زهيد‭ ‬لرجل‭ ‬يُدعى‭ ‬لويس‭ ‬هوفمان،‭ ‬واستعار‭ ‬منهُ‭ ‬جواز‭ ‬سفره،‭ ‬ثم‭ ‬زيَّف‭ ‬هويته‭ ‬وسجَّل‭ ‬اسمه‭ ‬باسم‭ ‬هذا‭ ‬الرجل‭. ‬طلب‭ ‬من‭ ‬دار‭ ‬الرعاية‭ ‬لقاءً‭ ‬مع‭ ‬طفليه‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬المناسبات،‭ ‬ووقّع‭ ‬على‭ ‬تعهد‭ ‬بإعادتهما؛‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ينوي‭ ‬العودة‭. ‬غادر‭ ‬فرنسا‭ ‬إلى‭ ‬ساوثهامبتون،‭ ‬ثم‭ ‬صعد‭ ‬على‭ ‬متن‭ ‬الباخرة‭ ‬العملاقة‭ ‬‮«‬تيتانيك‮»‬‭ ‬مع‭ ‬الطفلين،‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬قلبه‭ ‬وعدًا‭ ‬بحياة‭ ‬جديدة،‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬الأيام‭ ‬تخبئ‭ ‬لهُ‭ ‬مصيرًا‭ ‬مختلفًا‭ ‬تمامًا‭. ‬في‭ ‬ليلة‭ ‬الغرق،‭ ‬استيقظ‭ ‬الأب‭ ‬على‭ ‬الفوضى،‭ ‬فضمَّ‭ ‬طفليه‭ ‬إلى‭ ‬صدره،‭ ‬قبّلهما،‭ ‬ثم‭ ‬وضعهما‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬قوارب‭ ‬النجاة‭ ‬الأخيرة‭. ‬كانت‭ ‬آخر‭ ‬الكلمات‭ ‬التي‭ ‬قالها‭ ‬لهما‭ ‬مؤثرة‭ ‬وقد‭ ‬رسخت‭ ‬مثل‭ ‬وشم‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬ذاكرتهما‭ ‬برغم‭ ‬مرور‭ ‬السنين‭. ‬نجا‭ ‬الطفلان،‭ ‬لكن‭ ‬والدهما‭ ‬أصبح‭ ‬طعاماً‭ ‬للكائنات‭ ‬البحرية،‭ ‬إذْ‭ ‬كانت‭ ‬إجراءات‭ ‬الإنقاذ‭ ‬واضحة‭:‬‮»‬‭ ‬النساء‭ ‬والأطفال‭ ‬أولاً‮»‬،‭ ‬أما‭ ‬الرجال،‭ ‬فمصيرهم‭ ‬الغرق‭ ‬أو‭ ‬النسيان‭. ‬حين‭ ‬وصل‭ ‬الطفلان‭ ‬إلى‭ ‬نيويورك،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لدى‭ ‬أحد‭ ‬أدنى‭ ‬فكرة‭ ‬عن‭ ‬هويتهما‭. ‬فالأب‭ ‬استخدم‭ ‬اسمًا‭ ‬مزورًا،‭ ‬ولم‭ ‬يذكر‭ ‬أي‭ ‬عنوان‭ ‬أو‭ ‬تفاصيل‭ ‬عن‭ ‬الأم‭. ‬تبنّتهما‭ ‬سيدة‭ ‬أمريكية‭ ‬مؤقتًا،‭ ‬ولقَّبتهما‭ ‬الصحف‭ ‬‮«‬بأيتام‭ ‬تيتانيك‮»‬‭. ‬لكن‭ ‬أحد‭ ‬الصحفيين‭ ‬لاحظ‭ ‬أنهما‭ ‬يتحدَّثان‭ ‬الفرنسية،‭ ‬فقام‭ ‬بنشر‭ ‬صورهما‭ ‬في‭ ‬الصحف‭ ‬الفرنسية،‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬أنْ‭ ‬يتعرف‭ ‬عليهما‭ ‬أحد‭. ‬وقد‭ ‬حدث‭ ‬ذلك‭ ‬بالفعل‭. ‬رأت‭ ‬الأم‭ ‬الصورة،‭ ‬فسافرت‭ ‬إلى‭ ‬أمريكا،‭ ‬وهناك‭ ‬عانقت‭ ‬طفليها،‭ ‬بعدما‭ ‬ظنت‭ ‬أنها‭ ‬فقدتهما‭ ‬للأبد‭. ‬كَبُر‭ ‬الطفلان،‭ ‬واحتفظا‭ ‬بذكرى‭ ‬والدهما‭ ‬في‭ ‬قلبيهما،‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬حدث‭. ‬ميشال‭ ‬أصبح‭ ‬أستاذًا‭ ‬للفلسفة‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬مونبلييه؛‭ ‬أما‭ ‬إدموند،‭ ‬فقد‭ ‬أصبح‭ ‬مهندسًا‭ ‬معماريًا،‭ ‬لكنه‭ ‬توفي‭ ‬شابًا‭ ‬عام‭ ‬1953‭ ‬عن‭ ‬عمر‭ ‬43‭ ‬عامًا‭. ‬أما‭ ‬ميشال،‭ ‬فعاش‭ ‬حتى‭ ‬عام‭ ‬2001،‭ ‬وتوفي‭ ‬عن‭ ‬عمر‭ ‬92‭ ‬عامًا،‭ ‬وكان‭ ‬آخر‭ ‬رجل‭ ‬راشد‭ ‬نجا‭ ‬من‭ ‬‮«‬تيتانيك‮»‬‭. ‬في‭ ‬مقابلة‭ ‬نادرة‭ ‬لهُ‭ ‬وهو‭ ‬كهل،‭ ‬قال‭: ‬كنت‭ ‬في‭ ‬الرابعة‭ ‬من‭ ‬عمري‭ ‬فقط‭ ‬حين‭ ‬غرقت‭ ‬السفينة،‭ ‬لكنني‭ ‬لا‭ ‬أنسى‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬لي‭ ‬والدي‭: ‬‮«‬‭ ‬يا‭ ‬بني،‭ ‬عندما‭ ‬تلتقي‭ ‬بوالدتك؛‭ ‬أخبرها‭ ‬أنني‭ ‬أحببتها‭ ‬كثيرًا،‭ ‬وما‭ ‬زلت‭ ‬أحبها‮»‬‭. ‬هذه‭ ‬الحكاية‭ ‬المثيرة‭ ‬التي‭ ‬نقلتها‭ ‬لكم‭ ‬من‭ ‬صفحات‭ ‬الفيس‭ ‬بوك،‭ ‬لم‭ ‬أتدخَّل‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬سردها‭ ‬إلاَّ‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬وتقويم‭ ‬بعض‭ ‬المفردات،‭ ‬لكنَّها‭ ‬وضعتْ‭ ‬أمامي‭ ‬صورة‭ ‬الأطفال‭ ‬الذين‭ ‬أصبحوا‭ ‬أيتاماً‭ ‬نتيجة‭ ‬مقتل‭ ‬آبائهم‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬والكوارث،‭ ‬وتخيَّلتُ‭ ‬كم‭ ‬من‭ ‬الأيتام‭ ‬تركت‭ ‬لنا‭ ‬الحروب‭ ‬العبثية‭ ‬نتيجة‭ ‬دموية‭ ‬وثن‭ ‬ساحة‭ ‬الفردوس،‭ ‬وكم‭ ‬تركت‭ ‬لنا‭ ‬من‭ ‬الأيتام‭ ‬تلك‭ ‬العمليات‭ ‬الإرهابية‭ ‬التي‭ ‬عاثت‭ ‬طويلاً‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬وكم‭ ‬تركت‭ ‬لنا‭ ‬من‭ ‬الأيتام‭ ‬مجزرة‭ ‬سبايكر‭ ‬وحريق‭ ‬عرس‭ ‬الحمدانية‭ ‬ومشفى‭ ‬ابن‭ ‬الخطيب،‭ ‬وآخرها‭ ‬تُرى‭ ‬كم‭ ‬هو‭ ‬عدد‭ ‬الأيتام‭ ‬في‭ ‬حريق‭ ‬هايبر‭ ‬ماركت‭ ‬في‭ ‬الكوت؛‭ ‬وهل‭ ‬الحكومة‭ ‬اكتفت‭ ‬بتعويض‭ ‬عوائل‭ ‬الضحايا‭ ‬بحفنة‭ ‬دنانير؛‭ ‬وتناستْ‭ ‬مصير‭ ‬مئات‭ ‬الأيتام‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬نعرف‭ ‬أي‭ ‬مصير‭ ‬مجهول‭ ‬ينتظرهم؟


مشاهدات 89
الكاتب حسن‭ ‬النواب
أضيف 2025/08/04 - 2:45 PM
آخر تحديث 2025/08/30 - 1:01 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 720 الشهر 22784 الكلي 11417870
الوقت الآن
الأحد 2025/8/31 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير