تخوم القراءة
جاسم خلف الياس
يحمل هذا المقطع الشعري القصير والمكثف طابعًا صوفيًا ممتزجًا برؤية فلسفية عن الفقد والغياب، إذ تتشكل صورة الأنثى ببُعدها القدسي، وهي تضيء ليل الجنة .. يبدأ المقطع بـ «وماذا في رحيلكِ يا قديسة»، وهو سؤال استنكاري يستبطن الحزن والتأمل في حضرة الغياب، لكنه يرفع المخاطَبة إلى مرتبة «القديسة»، مما يمنحها طابعًا روحيًا نقيًا، وكأن (غيبتها) ليس مجرد فناء بل تحولٌ إلى حالة أسمى، وهذا ما سنراه في إقفال القصيدة. ثم تأتي المفردتان ، ووراء كل مفردة شاغر تركه الشاعر للقارئ على الرغم من تعالقاته الشديدة بعبارة “واحتاجهما الله لإضاءة ليل الجنة” التي تحمل دلالتين: الأولى هي المجاز الذي يقترح أن الجمال في العينين الخضراويين ليس مجرد كينونة دنيوية إن جاز التعبير، بل هو حاجة إلهية، مما يقلب فكرة الفقد من مجرد خسارة إلى ضرورة كونية. والثانية هي ارتباط الضوء بالجنة، مما يضفي عليها صبغة وجودية، وكأن الغياب هنا ليس فناءً، بل استعادة لحضور أكثر إشراقًا، وعلى هذا الأساس يبدو ان الشاعر الحطاب اختار البُعد الجمالي من الجسد في عنصرين، هما (عينان........ خصراوان.......)، وهما من أكثر الرموز الحسية التي تعبر عن الجمال والحركة والإغراء والحياة والبصيرة والرؤية والأنوثة...... إذ يتحول هذان العنصران إلى نورانية وطاقة تُستكمل بها الجنة.والغياب في هذا المقطع ليس نهاية بل استمرارية في شكل آخر وهو الحاجة الإلهية لهذه العناصر الجمالية التي تكسر فكرة الموت بوصفه فقداً، وتجعل منه انتقالاً لوظيفة أخرى في بُعد أعلى. هذا التفكير قريب من الفلسفة الصوفية التي ترى أن الجمال انعكاس للذات الإلهية، وأنه يعود إليها في نهاية المطاف. المقطع عميق جدا وهو يدمج الجمال بالحضور الإلهي، والفقد بالحاجة الكونية، والغياب بالإضاءةً. فهو نص لا يرثي فحسب، وإنما يمنح الغياب معنى جديدًا ومتفردًا. بوركت يا حطاب الصور فوق الرائعة.. ويا حطاب المعرفة .. اعرف جيدا أن هذا التعليق المتواضع لا يستطيع النفاذ إلى خلوتك الشعرية التي تحتاج أكثر وأكثر .. وما زلت عند وعدي .. وبهذه القصيدة سأبدأ .. فترقبني عند تخوم القراءة ..
الناقد الدكتور