00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  التشكيلي محمد عباس حلمي.. عوالم لا مرئية في لوحات فنية

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

التشكيلي محمد عباس حلمي.. عوالم لا مرئية في لوحات فنية

رياض ابراهيم الدليمي

ونحن نخوض في تجربة تشكيلية تمكنت أن ترسخ مفاهيمها الخاصة وتصوراتها عن دور الانسان في هذا الوجود وماهية وجوده ورسالته الحياتية والثقافية فيه ، فلا شك ان ( محمد عباس ) يبقى أسيرا لهذا القلق الوجودي فما ينفك فكره وهمه الانساني الا أن يسبر أغوار هذا العالم المترامي في أسراره وخلائقه وكنهه .

عالم الفن

تجربة التشكيلي ( محمد حلميتخط دربها بثقة ودون توجس في عالم الفن التشكيلي ، فيحاول أن يخوض في غمار الفن بألوانه وتكويناته ، وعارفا بما أنتجته الحركة التشكيلية العالمية من مدارس وأساليب فنية متعددة ، فأطلق العنان لفكره وموهبته خاصية التجريب والتنوع في أساليبه الفنية  ، فتراه منكبا وهو يجرب أعمالا وطقوسا فنية تترك أثرها على المشاهد من غبطة وفرح ودهشة فتجعله أسيرا ومتشوقا اليها  ليغوص في متاهاتها اللونية والتكونية ، فهو ينتج نصا بصريا يمثله ويمثل تصوراته وفهمه لرسالة الفن الثقافية والمعرفية والانسانية .

ان التجريب بحد ذاته يعد تنوعا ثريّا يضيف للفنان متانة وحصانة معرفية ومهنية وصقلا لموهبته وتمكينه لحرفيته الفنية ، فلا يمكن لأي قارئ ودارس لأعمال ( محمد عباس ) الا واكتشف هذه الخاصية باسلوبه ورؤيته  لحقل التشكيل من خلال أعماله الثرّة .

حري بنا ونحن نخوض في تجربة الفنان لابد وأن نقف مليّا على دكة تصورات وثقافة ورؤى ( محمد عباس ) فهو لا ينتج لوحة فنية فحسب وانما  يصيغ خطابا فنيا وثقافيا ورسائل عدة يوجهها للمتلقي بصفته منتج لهذا الخطاب محاولا مخاطبة النفس الانسانية والولوج في هموم الانسان وقضاياه بغض النظر عن هوية وجنس الأخر ، وهذا الخطاب تكون من خلال عناصر فنية وأدوات متقنة تمكنه من حرفنتها من خلال كيفية التعامل مع المواد والخامات وكيفية تطويع الألوان لصياغة رؤيته ورسالته ، وكذلك الخامة المستعملة  فله رؤيته من استخدام هذه الخامة وتلك لتنسجم مع تكويناته أولا ومنتجه الفني بشكله النهائي ومن بعد ذلك وصولا لغايته الثقافية الجمالية ، وما يميز أعمال (محمد عباس  ) في حظة الدهشة يصبح المتلقي ولوحته لحظة ابداعية واحدة  من خلال ولعه بثيمة العمل وكذلك بمجسماته الفنية التي تثير غرابة التجسيد والنص البصري المشكَل الذي يحمل بين طياته الحذق الفني والمهارة والاختلاف عن السائد من تجارب فنية أخرى ، لهذا يمكننا القول أن  (محمد عباس ) تمكن من صياغة خطابه الفني الجمالي الذي يمثله ويميزه عن الآخر وقد تفوق على نفسه .

من خلال أعماله المتعددة يوظف الفنان المدرسة التكعيبية في بعض أعماله باتقان فعند الوقوف على بعض لوحاته التكعيبية كلوحات (مهرجة بغداد وقاطف الأعناب ورقصة الشيشان ) فهو يقاربها سيميائيا ورمزيا باسلوبه الهندسي ويتخذ من واقع المرأة العربية والشرقية وذاتيتها المسلوبة وتهميشها ليصيغ للمشاهد عملا فنيا يلفه الغموض والتأويلات فيمزج هنا بين المباشرة والتورية ومآلات الفهم عند المتلقي من حيث محاولة المرأة ان تتخطى الحدود الاجتماعية والثقافية للمجتمعات الشرقية من أعراف وتقاليد وممنوعات وما بشجاعتها  لتجاوزها هذه المحددات والحواجز المرسومة لها والتي تحاول أن تحد وتكبح من جماح وطموحات المرأة في تحقيق ذاتها ومشاركتها بالفعل الحضاري ، فهنا (محمد عباس ) حاول من خلال لوحته (استحضار أفكار ) أن يجسد شكلا انثويا بساق طويلة قد مست الخطوط والدوائر الحمر المحظورة  ، وكذلك تركت خلفها كل النزعات الذكورية بوصفها نزعة لا انسانية في نظرتها للمرأة  ومحاولة أن تجعل منها كائنا أنثويا وعائيا لها ثمة وظائف التي يرسمها المجتمع الذكوري بحيزضيق  لا يتسع كينونتها  ،  وهذه الوظائف تسلخ آدمية المرأة وخلقها وكيانها وفعلها الجمالي في صنع الحضارة الانسانية ، لذا قد صور مجسمته الأنثى في شكلها التكعيبي الهندسي لتحلق وتتجاوز كل هذه الممنوعات لتجد ذاتها وتترك بصمتها في هذا الاحتدام الانساني الحضاري وهذا ما نراه أيضا في لوحة ( رقصة الشيشان).

اسلوب تعبيري

يتنقل ( محمد عباس ) بين عدة مدارس فنية  فقد اتخذ من الاسلوب التعبيري والتجريدي موائمة شكلية تعبر عن هواجسه وأحلامه وتطلعاته فمن خلال أعماله التي تركها لنا في معارضه وخاصة ممثلة في  لوحاته ( الماضي الحزين وأين ألقاك ومومياء كورونا وألوان الصيف وعيون ورفقة وتكميم الأفواه ومرآة وورود وطيور وغيرها ) فهو يحاكي الطبيعة والانسان والوجود ويحاول أن ينتج حوارا ثقافيا بين كل هذه الماهيات من جهة وبين الحوار الذاتي من خلال تصوراته واداركه لهذه الموجودات ،  وكذلك يحاول انشاء علاقات ثقافية حواريه بين ذاته والذات الأخرى وأن يضع مشتركات معرفية وجمالية بين الوجود والانسان وذاته ، فتغدو محاكاة حوارية جسدت باسلوب تجريدي تعبيري متقن معبرا عنها من خلال بعض الشفرات التي تجدها مشتركة في جل أعماله هذه ، فهو يضع خطوطا متعرجة ومتموجة تحجب الشكل وتقيّد الوجه وتغلق الفم وتحجب النظر وكأنه يقول أن الانسان في هذا الزمن متواري خلف ذاته ، فهناك مخاطر تحدق به فتمنعه من التعبير ومن فعل المشاركة ، ونلمس أحيانا قد تتصاعد نبرته الشكلية واللونية بخطاب تمردي على الواقع الهش الذي يعيشه الانسان في هذا الوجود من خلال تهميش الانسان ومنعه من صنع وتحقيق أحلامه وتجريده من آدميته وذاته ، فهو انسان مكبل ومقيد من الخلق والصنع والانتاج والفعل كما يصوره الفنان في بعض أعماله التجريدية .

بطبيعة الحال لا يمكن أن نغفل محاولاته للجمع بين  الاسلوبين الواقعي والتأثيري في تجسيد عدة أعمال  فقد اقتنص مشاهدا من الطبيعة العراقية المنوعة والخلابة  وكذلك جسد تراثيات الأمكنة والأثر  البغدادي والتي تعد بيئته وحاضنته الشخصية والحياتية .

خامة ورق

الايقاع الموسيقى الحواري تجده مهيمنا على أعماله الأخيرة  (كائنات لا مرئية ) التي حاول التجريب فيها  من خلال اتخاذه خامة الورق المقوى الكارتون في تشكيل وعزف أناشيده وترانيمه الموسيقية اللونية التكونية فعزف بأنامله وملمسه الرقيق ليصور لنا كائناته ، فأنشد لونا وحركة على سطح خامته التي اتخذها خلفية معتمة بلونها الأسود القاتم ولتسطع ألوانه الفسيفسائية البراقة ، وهذا الحوار بين اللون والضوء شكل منعطفا مهما في تجربة الفنان وتكنيكيا مدهشا وكأن المشاهد يرى أشكالا رقمية تتحرك في فضاء معتم وأعطاها حيوية وبهجة تسر المشاهد ، من هنا يمكن القول قد انشأ الفنان  نصا بصريا نغميّا بمعزوفات تشد المتلقي وتجعله مندمجا معها فهي محاولـــــة فنية تقنية للحوار بين المتلقي واللوحة ، وهذا الدمج المعرفي التقني بين الاثنين يعد اسلوبا ناجعا من أساليب الفن الحديث .

عدد المشـاهدات 92   تاريخ الإضافـة 21/11/2021   رقم المحتوى 56970
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
السبت 2021/12/4   توقيـت بغداد
تابعنا على