مقصلة الحبر: الكاتب العربي في فخ النشر المدفوع ووهم الشهرة
عباس التميمي
يبدأ الكتاب دائماً بنبضة مستترة في عتمة الذهن؛ فكرة عنيدة تأبى المغادرة، أو سؤال يطارد صاحبه في وحشته، أو جرح قديم يبحث عن خلاص لغوي. ينزوي الكاتب في عزلته الاختيارية، متوهماً أنه يمارس أسمى أشكال الحرية، بينما هو في الحقيقة يشرع في معركة استنزاف بطيئة وشاقة. تمتد الشهور وتنسحب السنوات أمام شاشات زرقاء قاحلة؛ يعيد صياغة الجملة، ويشطب السطر، ويمحو فصلاً كاملاً ثم يبكيه، بينما يتآكل الجسد في صمت. تنحني الفقرات، وتتصلب عضلات الرقبة، وتعتدل حدقة العين لتستقر على ضعف مبكر في البصر، في حين تحترق الأعصاب على وقع الشك المزمن: هل يستحق هذا النص كل هذا العذاب؟ وحين يخط كلمته الأخيرة متنفساً الصعداء، يظن أن المخاض انتهى، جاهلاً أن الجحيم الحقيقي لا يفتح أبوابه إلا عند وضع النقطة الأخيرة؛ إذ تنتهي طقوس الإبداع لتبدأ قوانين السوق الباردة التي لا تعترف بدم الكاتب ولا بدموعه.
يحمل الكاتب مخطوطه كما يحمل الأب وليده، باحثاً عن دار نشر تحتضنه وتقدمه للعالم. تتوالى رسائل البريد الإلكتروني، وتمر أسابيع الانتظار المشحونة بالقلق، قبل أن يصله الرد الموعود مغلّفاً بعبارات التقدير الزائفة: «نصكم متميز ومبتكر، ويسرنا ضمه إلى قائمة منشوراتنا، مقابل مساهمة مالية قدرها كذا وكذا». في تلك اللحظة بالذات، تتهاوى أوهام النبوغ؛ فالكاتب الذي استثمر من عمره وصحته وقوته، يُطلب منه الآن أن يدفع من لقمة عيشه وقوت أطفاله ليرى كلماته مطبوعة. هنا تنفجر المفارقة الصارخة: كيف انقلبت معادلة الإنتاج في عالم النشر العربي حتى صار الصانع يدفع ليعمل؟ في الصناعات الطبيعية، الناشر هو المستثمر الذي يخاطر برأسماله مراهناً على جودة السلعة الفكرية وقيمتها، أما في واقعنا الثقافي، فقد ابتكرت دور النشر نموذجاً تجارياً هجيناً ألغى المخاطرة كلياً؛ فالكاتب يموّل الطباعة، والناشر يقتطع أرباحه سلفاً من جيب الضحية، ليصبح الربح مضموناً قبل أن تدور آلات المطبعة حتى.
جذور هذه المأساة لا تنفصل عن إرث تاريخي واجتماعي مشوه رسخ صورة نمطية للكاتب في الوعي الجمعي العربي. لقد أحطنا الأدب بهالة خادعة من القداسة، ورددنا مقولات رنانة من قبيل «القلم رسالة»، و«الأدب أمانة»، و«الفكر جهاد». كلمات براقة لكنها تخفي في طياتها عنفاً رمزياً قاسياً؛ إذ أريد للكاتب أن يكون راهباً متجرداً من ماديات الحياة، قديساً يتغذى على الثناء ويعيش على الهامش دون أن ينبس ببنت شفة عن حقوقه الاقتصادية. فإذا ما طالب المبدع بأجره أو تفاوض بشراسة على بنود عقده، رُمي بالابتذال، واتُّهم بالتكسب والمتاجرة بالرسالة السامية. هذه الازدواجية الأخلاقية تمثل قمة التواطؤ المجتمعي: نمجد الكاتب على المنابر ونصفه بضمير الأمة، لكننا نستكثر شراء كتابه بدولارات معدودة، ونسارع لقرصنته بصيغ رقمية دون وخز من ضمير، ونتركه يواجه العوز والمرض في غرفته المظلمة دون أن يسأل عنه أحد.
في مواجهة هذا الإحباط والخذلان، تقتات «دكاكين النشر» على أضعف نقطة في نفس المبدع: حاجته الوجودية للاعتراف. يمارس الناشر السمسار غوايته بمهارة؛ يهمس في أذن الوافد الجديد بأن مؤلّفه سيكون حدث الموسم الثقافي، وأنه سيصنع منه اسماً لامعاً يشار إليه بالبنان في معارض الكتب وشاشات الفضائيات. وبدافع هذا الظمأ المشروع إلى الذيوع والتأثير، يوقع الكاتب عقود إذعان كارثية يتنازل فيها عن حقوقه الرقمية والورقية والترجمة لسنوات طويلة، ويدفع مدخراته الشحيحة عن طيب خاطر. غير أن هذا الوهم المشتري بمال حقيقي يتبدد سريعاً مع استلام الطرود؛ إذ يكتشف أن «الانتشار العالمي» الموعود لم يكن سوى مئة أو مئتي نسخة رديئة الإخراج، ألقيت في يده كصدقة مهينة مع عبارة باردة: «هذه حصتك، تصرف بها كما تشاء»، بينما تُلقى بقية النسخ في أقبية ومستودعات رطبة لا يدخلها ضوء ولا مشترٍ.
هنا يدخل الكتاب في مساره الجنائزي المحتوم. يبدأ الكاتب رحلة التوزيع البائسة على دائرته المقربة؛ يهدي نسخة لصديق، وأخرى لقريب، وثالثة لزميل عمل، مشفوعة بإهداءات دافئة تفيض حماساً. يظن المسكين أنه يغرس بذار وعي في أرض خصبة، لكنه سرعان ما يصطدم بجدار الصمت؛ فمعظم تلك النسخ لم تُفتح صفحاتها أصلاً. تضيع الكتب على المقاعد الخلفية للسيارات، أو تحبس في الأكياس الورقية، أو تستقر فوق رفوف المنازل كقطع ديكور ميتة. لقد تحولت المكتبة المنزلية في مجتمعاتنا الاستعراضية إلى مكمل بصري لأناقة الصالونات؛ تُنتقى المجلدات بألوان أغلفتها لتناسب طلاء الجدران وتناسق الأثاث، لا بحمولتها المعرفية. يقف الكاتب أمام مكتبة صديقه ليرى دمه وعرقه مسجونين تحت طبقة كثيفة من الغبار، شاهداً على تحول الفكر إلى جماد صامت يملأ فراغاً هندسياً في الحائط.
ولا تكتمل هذه التراجيديا إلا بتشريح أزمة «القارئ الغائب»، الذي لا يمكن اختزال عزوفه في التهم الجاهزة من قبيل «أمة اقرأ لا تقرأ». إن غياب القارئ ليس عيباً جينياً، بل هو نتاج منظومة انهيار كاملة؛ تتقدمها الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي جعلت ثمن الرواية يزاحم رغيف الخبز وجرعة الدواء، فغدا اقتناء الكتاب ترفاً لا يقدر عليه إلا القلة. وتتكامل معها عشوائية التوزيع التي تحصر المكتبات الكبرى في العواصم وتحرم المدن الصغيرة والقرى من لمس الكتاب الورقي. وفوق ذلك كله، تجثم منظومة تعليمية عقيمة تُدرّب الأجيال على الحفظ الصم واجترار النصوص لغايات الامتحان، وتقتل في النفوس متعة الاكتشاف وفضول المساءلة. وحين تتضافر هذه العوامل مع هيمنة ثقافة الاستهلاك الرقمي السريع والتدفق الخاطف للفيديوهات القصيرة، يصبح فعل القراءة البطيء الذي يتطلب صبراً وتركيزاً وعزلة فعلاً بطولياً شبه منقرض.
على المقلب الآخر، تظل الفاتورة الإنسانية البحتة هي الأكثر إيلاماً وإجحافاً في هذه الحلقة. الكتابة شقاء بيولوجي ونفسي مرير؛ ساعات الجلوس الطويلة الملتوية تحطم العمود الفقري وتورث الأوجاع المزمنة، وإجهاد الرؤية المتصل يسرق حيوية الأعين، واليقظة الذهنية الدائمة تلتهم ساعات النوم الطبيعية. لكن الجرح الأكثر غوراً يكمن في الاكتئاب الصامت والتمزق النفسي الذي ينهش روح الكاتب حين يجد نفسه منبوذاً بعد كل هذا البذل. ينظر إلى أقرانه الذين سلكوا دروب التجارة والوظائف النفعية فيراهم يحصدون الأمان المالي والاستقرار الاجتماعي، بينما يجد نفسه محاصراً بالديون والخذلان، يتسول قارئاً عبر منشورات باهتة على شبكات التواصل. هذا العبث قاد عديد المبدعين إلى اعتزال الكتابة أو الانهيار العصبي، بل وحتى الانتحار المأساوي، لتبكيهم الصحافة بعد فوات الأوان بمرثيات إنشائية جوفاء، متجاهلة الجريمة البنيوية التي ارتكبها النظام الثقافي بحقهم.
إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يقتضي نسف هذه المنظومة الاستغلالية من جذورها، والتحرر من النظرة الدونية التي تعامل المبدع كمتسول أنيق أو هاوٍ عاطل عن العمل. الكاتب الحقيقي ليس ناسكاً في صومعة، بل هو «عامل معرفي» ومنتج لقيمة فكرية تمثل حجر الزاوية لأي نهضة حضارية، ويجب أن تكفل له القوانين حياة كريمة تعصمه من الابتزاز الرخيص. يبدأ الحل بوعي الكاتب نفسه؛ برفضه القاطع للدفع من جيبه لقاء النشر، والتوجه نحو بدائل النشر الرقمي الذاتي، وبناء تكتلات ونقابات مهنية صلبة تفرض عقوداً نموذجية ملزمة تحمي حقوق المؤلف من جشع السماسرة. كما تقع على عاتق الدولة والمؤسسات الثقافية مسؤولية إطلاق صناديق وطنية مستقلة لدعم شراء المخطوطات الجادة، وتوسيع شبكات المكتبات العامة، وتأمين مظلة رعاية صحية واجتماعية تضمن للمفكر كرامته وعيشه.
حين يدفع المؤلف ثمن كتابه مرتين؛ مرة من صحته وعصبه ووقته، ومرة أخرى من ماله وكرامته، فإننا لا نكون أمام أزمة نشر عادية، بل أمام انحدار ثقافي شامل يُجهض الإبداع في مهده. إن الكتاب ليس مجرد ورق مجلد، بل هو نبض الأمة ومرآة وعيها؛ وإذا استمر تحويل القلم إلى أداة لابتزاز حامله وغدا الغلاف سلعة ديكورية للتباهي، فإن ما يدفن في مخازن النشر ليس مجرد أوراق مكدسة، بل هو مستقبل العقل العربي برمته. لقد حان الوقت ليكف الكاتب عن لعب دور الضحية القديسة، وأن يسترد حقه الطبيعي في أن يعيش بكرامة من ثمار فكره، لا أن يحترق ليشتري للآخرين سراباً مغبراً على جدار صامت.