الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
صناعة التفاهة

← بواسطة azzaman

صناعة التفاهة

نوفل الراوي

 

في زمان مضى .. كان كل شيء يحيط بالإنسان   ينبض بالاناقة و الذوق الراقي.. كان للكلمة معنى تدخل القلب ، وتداعب الشعور للتحول الى فعل ناضج و رغبة في التطور  .. حتى ( النكات) التي تنطلق من  الأفواه كانت لا تصدر الا وهي مغلفة بالمعاني الكبيرة .. نكات تبكينا بقدر ما تضحكنا ‘و لا تتنازل عن دورها في بناء الانسان داخل مجتمعه .. شيء ما حصل جعل الصورة تتبدد .. ينقلب كل بناء إلى ردم و تراجع الى الوراء .. جيوش من التافهين و الامعات دخلوا حياتنا من كل جانب ليفسدوا ايامنا امام انظارنا .. غادرتنا الصور الجميلة ، و الكلمة المصادقة ، و اللحن الأصيل .. لم يعد لرجل العلم مكانة .. لم يعد للمثقف صوتا يجهر به امام مئات من الأصوات النشاز و الزعيق غير المبرر .. لملم الشعراء قصائدهم و انزووا في زوايا مقاه منسية يتلذذون باستذكار ما فإت من ايام خلت.. بصراحة أننا لم نستطع مقاومة جيوش المنحرفين و الخارجين عن الذوق العام .. فشلنا كلنا في مواجهة عدد من التافهين و فاقدي المواهب بل حولناهم الى ( ترندات و بولكرات) واصبحوا نجوما من خلالنا نحن ...لكن هل ما حصل كان وليد المصادفة ؟ .. قطعا لا .. فالمصادفة يمكن ان تخدم شخص ما و تجعل منها ( ترندا) دون ان يتوقع لكن حين تصبح ظاهرة تخدم عشرات من المغمورين اجتماعيا و ثقافيا و سلوكيا فالامر يختلف تماما .. أننا نقف أمام حقيقة لا يمكن انكارها ، او تجاهلها  .. انها صناعة حقيقية للتفاهة و ابراز الفقاعات .. اما من يقف وراء هذه الصناعة فمعروف لدينا .. وهو ببساطة كل من يخطط لابقائنا في خندق التخلف بعيدا عن أي تطور .. و في هذا الصدد  يقول الكاتب الدنماركي ( الآن دونو) في كتابه نظام التفاهة و الذي ترجم الى اللغة العربية ما معناه ان التراجع السلوكي ، و الانحطاط الأخلاقي لم يعد سلوكا فرديا بل اصبح نظاما  يتخذ هيئة المؤسسة القائمة بادارة شؤونها ذاتيا .. و تحرص هذه المؤسسة على تقديم المكافات للمنسوبين إليها و الاغداق عليهم مقابل حرمان كل موهبة حقيقية ترقض السير مع هذا التيار .. و طبعا الغاية من ذلك إشاعة التفاهة في المجتمعات المستهدفة بهذه الحملات المنظمة من اجل ابعاد ابنائها عن كل امر يحفزهم نحو العمل الجاد و السير باتجاه التقدم في كل المجالات .. و اظن ان مراجعة سريعة لما يحصل داخل مجتمعاتنا العربية يعطينا اشارات واضحة لخط سيرنا .. صرنا نحتفي بالتافهين .. و ندخلهم في يومياتنا و نمنحهم الكثير من الاهتمام .. نمد لهم ( صواني الثريد) و نلتقط صورا تذكارية مع حضراتهم و نلاطفهم في حديثنا معهم و نهمش عشرات المبتكرين و المبدعين وصناع الحياة .. هذه هي مرأة الواقع و صدق ( دونو)حين عرف التافه بقوله هو الانسان الذي لا يملك موقفا فكريأ حادا و شخصيته تخلو من الرؤية  النقدية العميقة للامور بل الاغلب هو مساير التيار دون اية مجادلة طمعا بمكسب مادي يمنح له . و اجزم ان هذا الميزان يكفينا كي نعرف كل شخصية تافهة تمر في حياتنا

 

 


مشاهدات 41
الكاتب نوفل الراوي
أضيف 2026/11/04 - 5:06 PM
آخر تحديث 2026/11/05 - 1:07 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 138 الشهر 8879 الكلي 16659413
الوقت الآن
الخميس 2026/11/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير