الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الحروب الجديدة.. رفوف المتاجر وبرادات الطعام

← بواسطة azzaman

الحروب الجديدة.. رفوف المتاجر وبرادات الطعام

فاروق الدباغ

 

حين نتحدث عن الحرب، ما زلنا نرفع رؤوسنا إلى السماء.

نبحث عن طائرة مسيّرة، أو صاروخ عابر للحدود، أو طائرة حربية. نتصور الحرب كما عرفناها في نشرات الأخبار: انفجار، دخان، وصفارات إنذار.

لكن ماذا لو جاء الهجوم المقبل من مكان آخر تمامًا؟

ماذا لو استيقظ الناس صباحًا، وكانت الكهرباء موجودة، والشوارع هادئة، ولم يسقط صاروخ واحد، لكن برادات المتاجر توقفت، وأنظمة الدفع تعطلت، والمخازن فقدت قدرتها على توزيع الطعام؟

ربما تبدو الصورة أقرب إلى فيلم خيال علمي، لكنها لم تعد كذلك.

في الثاني من نوفمبر تعرض عدد من متاجر الأغذية في السويد لهجوم إلكتروني استهدف أنظمة التبريد والتجميد. متاجر تابعة  ICA -Coop تأثرت بالحادث، وفي بعض المواقع ارتفعت درجة حرارة المجمدات إلى نحو 50 درجة مئوية. وفي متجر ICA في جزيرة أولاند وصلت الحرارة، بحسب مدير المتجر، إلى 55 درجة، واضطر العاملون إلى التخلص من المواد الغذائية التي فسدت.

ولم تكن السويد وحدها. المشكلة ظهرت كذلك في متاجر في بلجيكا ولوكسمبورغ وإيرلندا وإستونيا وهولندا، بعد أسابيع فقط من حادثة مشابهة أصابت مئات المتاجر الفرنسية. وحتى الآن لم تُعرف الجهة التي تقف خلف الهجمات بصورة قاطعة، ولم يثبت أنها جزء من عملية عسكرية تقودها دولة ما. لكن ما حدث يقدم نموذجًا واضحًا لما يمكن أن تفعله الهجمات السيبرانية بالبنية المدنية الحديثة.

المهم هنا ليس عدد البرادات التي تعطلت.

المهم هو الفكرة.

فقد اكتشفنا أن طرفًا يجلس على بعد مئات أو آلاف الكيلومترات يستطيع أن يدخل متجرًا من دون أن يفتح بابه، ويعبث بدرجة حرارة مجمداته، ويتلف الطعام الموجود داخله.

وهنا تتحول المسألة من مشكلة تقنية إلى قضية أمن غذائي.

لقد اعتدنا في العالم العربي، عندما نتحدث عن الأمن الغذائي، أن نسأل: كم ننتج من القمح؟ كم نستورد؟ وكم يكفي المخزون الاستراتيجي؟

لكن السؤال الجديد يجب أن يكون أوسع:

هل تستطيع الدولة إيصال هذا الغذاء إلى المواطن إذا تعرضت أنظمة الموانئ والمخازن والنقل والتبريد والدفع الإلكتروني إلى هجوم؟

قد يكون القمح موجودًا.

واللحوم موجودة.

والأدوية موجودة.

والشاحنات موجودة.

لكن سلسلة صغيرة من الأوامر الرقمية الخاطئة يمكن أن تجعل جزءًا من هذه المنظومة عاجزًا عن العمل.

وهنا تبدأ الحرب الجديدة.

ليس بالضرورة بتدمير السلعة، وإنما بتعطيل الطريق الذي يصل بينها وبين الإنسان.

الأمر الأكثر إثارة للتفكير وقع في مدينة Alvesta السويدية. أحد متاجر ICA هناك نجا من الهجوم، وكان التفسير المحتمل مفارقة تستحق التوقف عندها: نظام التبريد لديه قديم.

وقال مدير المتجر إنهم كانوا هذه المرة سعداء بنظامهم القديم.

إنها جملة صغيرة، لكنها تختصر معضلة كبيرة في عالمنا الحديث.

لقد أمضينا السنوات الماضية نتسابق لربط كل شيء بالإنترنت. السيارة ذكية، البيت ذكي، الكهرباء ذكية، المخزن ذكي، الميناء ذكي، وحتى براد الطعام أصبح مرتبطًا بشبكة يمكن مراقبتها والتحكم بها عن بعد.

لكننا ربما نسينا سؤالًا بسيطًا:

ماذا يحدث عندما يصبح الشيء الذكي أذكى من قدرتنا على حمايته؟

النظام القديم الذي لا يستطيع موظف التحكم به من هاتفه قد يكون أقل راحة، لكنه في بعض الظروف أقل قابلية لأن يتحكم به شخص مجهول من قارة أخرى.

هذه ليست دعوة للعودة إلى العصر الورقي، ولا لمقاومة التكنولوجيا.

بل العكس.

إنها دعوة لأن نفهم أن التحول الرقمي لا يكتمل من دون بناء القدرة على العمل عندما يفشل النظام الرقمي.

والعالم العربي معني بهذا السؤال بقدر أوروبا، وربما أكثر.

فدول الخليج، على سبيل المثال، حققت قفزات هائلة في الرقمنة والمدن الذكية والخدمات الإلكترونية وربط البنية التحتية بالأنظمة الحديثة.

هذه قوة حقيقية.

لكن كل تقدم رقمي يخلق في الوقت نفسه مسؤولية أمنية أكبر.

 

والخليج يعرف الهجمات السيبرانية جيدًا.

في عام 2012 أصاب فيروس Shamoon شركة أرامكو السعودية في واحد من أشهر الهجمات السيبرانية التي عرفتها المنطقة، وتضررت عشرات الآلاف من أجهزة الحاسوب. والمثير هنا أن عمليات إنتاج النفط الأساسية استمرت لأنها كانت مفصولة عن شبكة الحواسيب التي تعرضت للهجوم.

وهذه ليست ملاحظة تقنية فقط، بل درس استراتيجي كامل:

افصل ما يجب أن يستمر في العمل عن النظام الذي يمكن أن يسقط.

وفي فبراير من هذا العام أعلن مجلس الأمن السيبراني في دولة الإمارات أن البنية التحتية الإماراتية تواجه ما بين 90 ألفًا و200 ألف محاولة اختراق يوميًا، وأن 128 حادثة تهديد سيبراني مؤكدة استهدفت جهات مختلفة في الدولة منذ بداية 2026، بينها جهات حكومية ومالية وقطاعات حيوية.

إذن، المسألة ليست افتراضية.

لكن الخطر الأكبر قد لا يكون اختراق وزارة أو سرقة ملفات شركة.

الخطر الذي يجب التفكير فيه هو عندما تنتقل الهجمات من المعلومات إلى الحياة اليومية.

الماء.

الكهرباء.

الغذاء.

الدواء.

الموانئ.

المطارات.

وشبكات

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 222 الشهر 8963 الكلي 16659497
الوقت الآن
الخميس 2026/11/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير