الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إيران ليست اليابان: سيناريو هيروشيما وناكازاكي لن يتكرر في إيران

← بواسطة azzaman

إيران ليست اليابان: سيناريو هيروشيما وناكازاكي لن يتكرر في إيران

عبدالقادر حداد

 

تتزايد في الآونة الأخيرة التكهنات والتحذيرات من احتمال لجوء الولايات المتحدة إلى استخدام السلاح النووي ضد إيران، ولا سيما مع تصاعد الحديث عن المنشآت النووية الإيرانية المحصنة تحت الجبال، وعودة التهديدات الأمريكية باستهدافها. وعلى الرغم من أن هذا السيناريو لا يزال في دائرة الادعاءات والتحليلات، فإن طرحه يفتح باباً مهماً للتساؤل: هل يمكن أن يتكرر في إيران ما حدث في هيروشيما وناكازاكي عام 1945؟

أعتقد أن الإجابة تميل إلى النفي، ليس لأن استخدام السلاح النووي مستحيل من الناحية العسكرية، وإنما لأن الظروف الجيوسياسية والاستراتيجية التي تحيط بإيران تختلف اختلافاً جوهرياً عن الظروف التي أحاطت باليابان في نهاية الحرب العالمية الثانية. فإيران ليست اليابان، والشرق الأوسط ليس مسرح المحيط الهادئ عام 1945، كما أن كلفة استخدام السلاح النووي اليوم لن تقتصر على الدولة المستهدفة، بل قد تمتد إلى المصالح والقواعد والوجود الأمريكي في المنطقة بأكملها. 

 

أولا: الجغرافيا الإيرانية تجعل المصالح الأمريكية في دائرة التأثر المباشر

 لعل أبرز الاختلافات بين الحالتين يتعلق بالجغرافيا. ففي عام 1945، لم تكن الولايات المتحدة تواجه احتمال تعرض شبكة واسعة من قواعدها العسكرية ومصالحها الاقتصادية الموجودة بالقرب من اليابان لرد فعل إقليمي واسع نتيجة استخدام القنبلة الذرية بالطريقة التي يمكن تصورها في الحالة الإيرانية.

أما إيران، فتقع في منطقة شديدة الحساسية للمصالح الأمريكية، وتحيط بها دول الخليج التي تستضيف قواعد ومنشآت عسكرية أمريكية، فضلاً عن وجود الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين، والمصالح الاقتصادية والاستثمارات والشركات المرتبطة بقطاع الطاقة.

وهذا يعني أن أي هجوم نووي على إيران لن يكون حدثاً معزولاً داخل حدودها الجغرافية؛ إذ يمكن أن تتحول القواعد الأمريكية والمنشآت العسكرية وممرات الطاقة والمصالح الاقتصادية في المنطقة إلى عناصر معرضة لتداعيات التصعيد.

ومن هنا، فإن واشنطن لا تستطيع النظر إلى إيران باعتبارها هدفاً منفصلاً عن محيطها الجغرافي، لأن أي رد إيراني واسع قد يضع القوات الأمريكية ومصالح حلفائها أمام مخاطر مباشرة، ويجعل كلفة القرار الأمريكي أكبر بكثير من كلفة استهداف منشأة عسكرية أو نووية بعينها. 

 

ثانيا: اختلاف طبيعة التهديد الإيراني عن التهديد الياباني عام 1945

من الضروري التذكير بأن الهجوم الياباني على الأسطول الأمريكي في بيرل هاربر وقع في ديسمبر 1941، وكان حدثاً عسكرياً مفصلياً دفع الولايات المتحدة إلى دخول الحرب العالمية الثانية بصورة مباشرة. أما القصف النووي لهيروشيما وناكازاكي فقد وقع في أغسطس 1945، بعد نحو أربع سنوات من ذلك الهجوم، وفي سياق حرب شاملة ومفتوحة كانت الولايات المتحدة تخوضها ضد اليابان. وبالتالي، فإن قرار استخدام القنبلتين الذريتين لا يمكن فصله عن طبيعة تلك الحرب وظروفها العسكرية والاستراتيجية؛ فالولايات المتحدة لم تكن أمام مواجهة محدودة أو عمليات عسكرية متفرقة، وإنما كانت تخوض حرباً حقيقية مع دولة شنت هجوماً مفاجئاً ومدمراً على أسطولها البحري، وألحقت به خسائر جسيمة، ثم واصلت عملياتها العسكرية والتوسعية في المحيط الهادئ، مهددةً المصالح والقواعد وخطوط الإمداد الأمريكية وحلفاء واشنطن في المنطقة. وبذلك كان استخدام السلاح النووي جزءاً من سياق حرب عالمية بلغت مرحلة حاسمة، سعت خلالها الولايات المتحدة إلى حسم المواجهة وفرض الاستسلام الياباني.

أما إيران، فعلى الرغم من سجل المواجهات والتهديدات والهجمات المرتبطة بها وبحلفائها في المنطقة، فإنها لم تنفذ هجوماً على الولايات المتحدة بحجم الهجوم الياباني على بيرل هاربر، ولم تشن حرباً شاملة عليها، ولم تدخل معها في مواجهة عسكرية مفتوحة وممتدة مماثلة للحرب التي خاضتها واشنطن ضد طوكيو.

وهذا فارق جوهري في طبيعة السياق التاريخي والسياسي؛ فالولايات المتحدة اليوم لا تواجه إيران في إطار حرب عالمية أو حرب شاملة اندلعت عقب هجوم مباشر ومدمر على أسطولها البحري، وإنما تواجه خصماً إقليمياً في إطار صراع معقد تتداخل فيه الحسابات النووية والأمنية والنفوذ الإقليمي والمصالح الاستراتيجية. ومن ثم، فإن استحضار تجربة هيروشيما وناكازاكي لتبرير احتمال تكرارها في إيران يتجاهل اختلافاً أساسياً في طبيعة الحرب والظروف التي أحاطت باستخدام السلاح النووي آنذاك.

 

ثالثا: الرد الإيراني لن يبقى محصورا داخل الأراضي الإيرانية

من أبرز العوامل التي تجعل الحالة الإيرانية مختلفة امتلاك طهران أدوات متعددة للتأثير في محيطها الإقليمي. فإلى جانب قدراتها الصاروخية والطائرات المسيّرة، تمتلك إيران شبكة من العلاقات مع قوى مسلحة في المنطقة، فضلاً عن موقعها الجغرافي المشرف على مضيق هرمز.

وبالتالي، فإن أي تصعيد غير مسبوق ضدها قد يدفع إلى اتساع نطاق المواجهة، سواء من خلال استهداف قواعد عسكرية أمريكية، أو تهديد المنشآت الحيوية، أو تعريض الملاحة البحرية وممرات التجارة والطاقة للخطر.

ولا يعني ذلك أن إيران ستختار بالضرورة توسيع الحرب أو أنها قادرة على تنفيذ جميع هذه السيناريوهات، لكنه يعني أن واشنطن ستضطر إلى احتساب احتمالات الرد وتكاليفه قبل اتخاذ قرار استراتيجي بهذا الحجم. وهنا تظهر معضلة أساسية: قد تنجح الضربة النووية في تدمير هدف محدد، لكنها قد تفتح في المقابل جبهات ومخاطر متعددة لا يمكن التحكم في مساراتها أو نتائجها بسهولة. 

رابعا: مضيق هرمز وأسواق الطاقة العالمية

لا يمكن فصل أي مواجهة عسكرية واسعة مع إيران عن أهمية مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم.

إن تعرض الملاحة في المضيق للاضطراب، أو استهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية النفطية في الخليج، لن تكون آثاره مقتصرة على الدول المنتجة أو المستهلكة في المنطقة، بل ستمتد إلى الاقتصاد العالمي، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة تكاليف النقل والتأمين، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع معدلات التضخم.

كما أن الشركات الأمريكية والدولية العاملة في قطاعات الطاقة والاستثمار والنقل ليست بمنأى عن هذه التداعيات. ومن ثم، فإن استخدام السلاح النووي ضد إيران قد يعرّض مصالح اقتصادية واسعة للخطر، حتى وإن لم تكن تلك الشركات أهدافاً عسكرية مباشرة.

وهذا يجعل المسألة تتجاوز الحسابات العسكرية إلى حسابات الاقتصاد السياسي العالمي؛ إذ قد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام تداعيات اقتصادية لا تتناسب مع المكاسب العسكرية المحتملة من تدمير منشأة أو مجموعة منشآت. 

 

خامسا: اختلاف البيئة الدولية وتوازنات القوى

في عام 1945، كانت الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي استخدمت السلاح النووي، ولم يكن العالم قد دخل بعد في مرحلة التوازن النووي التي تشكلت لاحقاً خلال الحرب الباردة. أما اليوم، فنحن أمام نظام دولي مختلف تماماً، تتوزع فيه القوة النووية بين عدد من الدول الكبرى، وفي مقدمتها روسيا والصين، فضلاً عن قوى نووية أخرى. إن استخدام الولايات المتحدة السلاح النووي ضد إيران قد يفتح الباب أمام تداعيات تتجاوز الشرق الأوسط، ويضعف الحاجز السياسي والأخلاقي الذي منع استخدام هذا السلاح في الحروب منذ عام 1945. وقد تنظر قوى دولية أخرى إلى ذلك باعتباره

سابقة يمكن أن تؤثر في حساباتها النووية والعسكرية مستقبلاً. كما أن موسكو وبكين لن تنظرَا إلى استخدام السلاح النووي باعتباره مجرد عملية عسكرية أمريكية ضد دولة إقليمية، بل ستأخذان في الاعتبار ما قد يعنيه ذلك لمستقبل النظام الدولي، وقواعد الردع، ومكانة الأسلحة النووية في الصراعات المقبلة. 

 

سادسا: الكلفة السياسية والأخلاقية والقانونية

لا تتوقف خطورة استخدام السلاح النووي عند نتائجه العسكرية المباشرة، وإنما تمتد إلى الكلفة السياسية والأخلاقية والقانونية. فالقنبلة النووية ليست سلاحاً تقليدياً يمكن حصر آثاره في منشأة مستهدفة؛ إذ قد تتسبب في خسائر بشرية واسعة، وتلوث إشعاعي، وأضرار بيئية وصحية تتجاوز حدود الدولة المستهدفة. كما أن قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبادئ التمييز والتناسب وحظر الهجمات العشوائية، تضع استخدام الأسلحة النووية أمام إشكالات قانونية بالغة الخطورة. وقد أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن توافق استخدامها مع قواعد القانون الدولي الإنساني يثير شكوكاً بالغة، بالنظر إلى آثارها الإنسانية والبيئية الممتدة.

ومن شأن استخدام واشنطن لهذا السلاح أن يضعها أمام أزمة دولية واسعة، ويعرض صورتها السياسية ومواقفها المتعلقة بمنع الانتشار النووي ونزع السلاح لمساءلة شديدة، لا سيما وان تداعيات هيروشيما وناكازاكي لا زالت حاضرة في الذهن والرأي العام حتى يومنا هذا.

 

سابعا: امتلاك البدائل العسكرية يقلل الحاجة الى السلاح النووي

هناك عامل آخر لا يقل أهمية، يتمثل في أن الولايات المتحدة تمتلك ترسانة تقليدية متقدمة، تشمل القنابل الخارقة للتحصينات والذخائر الدقيقة والقدرات الجوية والاستخباراتية، التي يمكن توظيفها لاستهداف المنشآت العسكرية والنووية المحصنة. وبالتالي، فإن صعوبة تدمير منشأة تحت جبل أو في أعماق الأرض لا تعني تلقائياً أن

الخيار النووي أصبح ضرورة عسكرية. فهناك خيارات تقليدية يمكن أن تُستخدم لتدمير مداخل المنشآت أو تعطيلها أو إلحاق أضرار بقدراتها التشغيلية، حتى إن لم تضمن تدمير جميع مكوناتها الموجودة تحت الأرض. وهذا ما يجعل الانتقال إلى السلاح النووي قراراً استثنائياً لا يمكن تبريره بمجرد وجود منشأة يصعب الوصول إليها بالقنابل التقليدية، خصوصاً عندما تكون التداعيات المحتملة أكبر بكثير من المكاسب العسكرية المباشرة. 

 

ثامنا: إيران ليست اليابان من حيث طبيعة الحرب والنتائج المتوقعة

ربما يكون هذا هو الفارق الأعمق بين الحالتين. فاليابان عام 1945 كانت قد وصلت إلى مرحلة شديدة التعقيد من الحرب، بعد سنوات من المواجهة العسكرية، وتعرضت مدنها لقصف تقليدي واسع، وكانت الولايات المتحدة تسعى إلى فرض استسلامها وإنهاء الحرب. أما إيران، فهي دولة ذات امتداد جغرافي وسكاني كبير، وتملك قدرات عسكرية وصاروخية وشبكة علاقات إقليمية، كما أن أي هجوم نووي عليها لن يضمن بالضرورة إنهاء قدراتها أو إخضاعها سياسياً. بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من خلال تعزيز النزعة الانتقامية، وتوسيع دائرة الصراع، وزيادة احتمالات التحول إلى مواجهة إقليمية مفتوحة. فالتدمير العسكري لا يعني بالضرورة تحقيق الهدف السياسي، واستخدام أقصى درجات القوة لا يضمن الوصول إلى النتيجة الاستراتيجية المطلوبة. وهذه من أهم الدروس التي ينبغي استحضارها عند تقييم أي سيناريو عسكري محتمل ضد إيران.

 

الخلاصة

القول إن سيناريو هيروشيما وناكازاكي لن يتكرر في إيران لا يستند إلى افتراض "أن الولايات المتحدة عاجزة عن استخدام السلاح النووي، أو أن إيران محصنة من الضربات العسكرية"، وإنما إلى اختلاف الحسابات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية التي تحكم الحالتين.

ففي عام 1945، استخدمت الولايات المتحدة السلاح النووي في سياق حرب عالمية كانت تسعى إلى إنهائها، أما اليوم فإن استخدامه ضد إيران قد يفتح حرباً لا تقتصر آثارها على طهران، بل يمكن أن تطال القواعد الأمريكية، ودول الخليج، وأسواق الطاقة، والممرات البحرية، وتوازنات القوى الدولية. والأهم أن إيران ليست جزيرة بعيدة عن المصالح الأمريكية، وإنما تقع في قلب منطقة تنتشر فيها القواعد العسكرية الأمريكية، وتتداخل فيها المصالح الاقتصادية والاستراتيجية لواشنطن وحلفائها.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة تمتلك القدرة على استخدام السلاح النووي ضد إيران، بل ما إذا كانت تستطيع تحمّل النتائج التي قد تترتب على استخدامه.

فالقدرة على تدمير الهدف لا تعني القدرة على التحكم فيما سيأتي بعده، وهذه تحديداً هي المعضلة التي تجعل المقارنة بين إيران واليابان مقارنة بين سياقين تاريخيين واستراتيجيين مختلفين تماماً. 

 


مشاهدات 56
الكاتب عبدالقادر حداد
أضيف 2026/11/04 - 2:47 PM
آخر تحديث 2026/11/04 - 3:32 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1407 الشهر 7968 الكلي 16658502
الوقت الآن
الأربعاء 2026/11/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير