الوداع الفاخر .. حكاية شمس بين براءة الطفولة وأحكام المجتمع
روائية شابة لـ (الزمان): راحة الضمير جوهر المغادرة بكرامة
بغداد - ابتهال العربي
تقدم رواية « الوداع الفاخر « ، الصادرة عام 2021، تجربة أدبية تستلهم الحياة الاجتماعية والنفسية للشابة النجفية، وتلاحق تحولات الشخصية من براءة الطفولة إلى تعقيدات المرحلة الجامعية، عبر سرد تتداخل فيه التجارب الشخصية مع حكايات فتيات أخريات. وتتمحور أحداث الرواية حول شخصية (شمس)، التي تمثل محور العمل السردي، وتكشف من خلال تجربتها عن الفجوة بين البراءة وقلة الخبرة والأحكام التي يصدرها الآخرون، فضلاً عن تساؤلات تتعلق بالنوايا والحكم الأخلاقي وصورة الإنسان في المجتمع. وفي حديثها مع (الزمان)، قالت الكاتبة مروة جعفر ، عن (البدايات التي قادتها إلى عالم الكتابة، وأثر البيئة النجفية المحافظة في تشكيل وعيها الأدبي، وخصوصية شخصية شمس، ودلالات عنوان الرواية ونهايتها، فضلاً عن الظروف الإنسانية التي رافقت كتابتها، وطموحاتها في الجمع بين البحث الأكاديمي والإبداع الروائي).
□ تتخذ الرواية من شخصية شمس محوراً أساسياً للأحداث، كيف رسمت هذه الشخصية، وما الذي أردت التعبير عنه من خلالها؟
- شمس.. فتاة حالمة تحتفظ بالكثير من خيالات الطفولة وبراءتها، لكنها تجد نفسها في مراحل لاحقة أمام تجارب وعوالم لم تألفها من قبل، وقد خصصت الفصل الأول من الرواية لخيالات الطفولة، بينما تمثل المرحلة الجامعية ذروة الأحداث وثقلها السردي؛ إذ تدخل البطلة عالماً أوسع من بيئتها المألوفة، وتواجه تجارب اجتماعية وإنسانية جديدة تتداخل فيها العلاقات والمواقف وسوء الفهم والتخبط واكتشاف الذات.
أردت من خلال هذه الشخصية أن أقدم صورة لفتاة لا تتحدد تجربتها بعمرها وحده، بل تتأثر بطبيعة تنشئتها والبيئة التي نشأت فيها ومدى احتكاكها بالعالم المحيط بها. فقد تواجه الفتاة مواقف تبدو مألوفة لغيرها، لكنها تكون بالنسبة إليها جديدة أو مفاجئة، بسبب اختلاف تجاربها السابقة وحدود معرفتها بالحياة. ومن هنا، تتشكل المفارقة الأساسية في شخصية «شمس»؛ فهي تدخل تجارب جديدة ببراءة وقلة خبرة، بينما قد ينظر الآخرون إلى تصرفاتها من زوايا مختلفة، من دون أن يدركوا دوافعها الحقيقية أو الظروف التي أحاطت بها.
□ على الرغم من تعدد الشخصيات والحكايات، تبقى شمس في مركز الأحداث. كيف حققت التوازن بين تجربتها وتجارب الشخصيات الأخرى؟
- تظل شمس الشخصية المحورية والمهيمنة على إدارة الأحداث، لكن الرواية لا تقتصر على تجربتها الفردية وحدها؛ إذ تتقاطع معها حكايات ومواقف لشخصيات أخرى، تحمل كل منها جانباً من التجارب الإنسانية والاجتماعية التي أردت التعبير عنها.
اتساع في الرؤية
هذه التجارب المتعددة تمنح الرواية اتساعاً في الرؤية، لأنها تتيح للقارئ النظر إلى الحياة من زوايا مختلفة، وتكشف له أن الموقف الواحد قد يحمل أكثر من تفسير، وأن الأشخاص لا يتشابهون في طريقة فهمهم للأحداث أو استجابتهم لها.
وتبلغ الرواية ذروتها في المرحلة الجامعية، حيث تتكثف الأحداث وتتداخل الشخصيات، وتظهر التحولات التي تمر بها البطلة في فهمها للحياة وللآخرين ولنفسها. وفي هذا المسار، تصبح الحكايات الأخرى جزءاً من البناء العام للرواية، لا مجرد أحداث منفصلة عن تجربتها الأساسية.
□ تنتهي الرواية بطريقة قد تخالف توقعات القارئ. ما الدلالة التي أردت إيصالها من خلال هذه النهاية؟
- تأتي النهاية على نحو مغاير لما قد يتوقعه القارئ، إذ تعيدنا إلى نقطة البداية، وكأن الإنسان يدور حول نفسه، وتنتهي بعض الأمور بطريقة تشبه بداياتها، لكن بعد أن يكون قد مر بتجارب تركت أثرها في داخله.
وأحياناً أشعر أن القلم كتب الرواية أكثر مما خططت أنا لكتابتها، وكأنها جاءت بإلهام وتلقائية يصعب استحضارهما بالطريقة ذاتها مرة أخرى. وربما يعود ذلك إلى طبيعة المرحلة التي عشتها، وما حملته من تحولات إنسانية ونفسية انعكست على علاقتي بالكتابة وعلى الطريقة التي تشكلت بها أحداث الرواية.
□ كيف أسهم تخصصك الإعلامي في تطوير أدواتك الأدبية، وما طبيعة العلاقة بين الإعلام والرواية في تجربتك؟
- أسهم تخصصي في الإعلام في تنمية اهتمامي بالملاحظة والتحليل وفهم السلوك الإنساني والتفاعل الاجتماعي، وهي أمور يمكن أن تساعد الكاتب على الاقتراب من الشخصيات وفهم دوافعها وطريقة تفكيرها واستجابتها للمواقف المختلفة، لكن علاقتي بالكتابة بدأت قبل الدراسة الأكاديمية، من خلال القراءة وكتابة المذكرات واليوميات، وما رافق ذلك من رغبة في التعبير عن الأفكار والمشاعر والتساؤلات الداخلية. لذلك، أرى أن الدراسة الإعلامية جاءت لتضيف إلى هذه التجربة أدوات جديدة في التحليل والملاحظة، من دون أن تكون نقطة البداية الوحيدة لمسيرتي الأدبية.
وأواصل اليوم دراستي العليا في الإعلام بمعهد العلمين للدراسات العليا في النجف الأشرف، وأطمح إلى الجمع بين البحث الأكاديمي والإبداع الأدبي، بما يتيح لي تطوير أدواتي في المجالين، والاستفادة من المعرفة الأكاديمية في فهم الإنسان والمجتمع وتقديم تجارب أكثر عمقاً في الكتابة الروائية.
مسيرة ادبية
أتمنى أن تكون هذه الرواية بداية لمسيرة أدبية أكثر نضجاً وثراءً، وأن تحمل أعمالي المقبلة تجارب أكثر عمقاً، وتتناول الإنسان من زوايا مختلفة، بكل ما يعيشه من أحلام وتناقضات وصراعات وأسئلة.
وأهدي هذا الإنجاز إلى والديّ العزيزين، رحمهما الله، اللذين علّماني الحرف وغرسا في داخلي حب المعرفة والأدب، وأتقدم بالشكر إلى كل من أسهم في ظهور الرواية إلى النور، وأخص بالذكر الزميل مصطفى فاضل، الذي أخرجها إلى النور، والأستاذ حميد الحريزي، الذي وثق تجربتي ضمن موسوعته عن روائيي النجف.. كما أخص بالشكر والامتنان زوجي وشريك رحلتي، الدكتور مصطفى الخفاجي، على دعمه وتشجيعه ومساندته لي في مواصلة دراستي العليا ومسيرتي الأدبية، ومواصلته ما بدأه والداي من رعاية ودعم لطموحاتي.
□ وثمنت الــــــــكاتبة اهتمام جريدة (الزمان)، لإتاحة الفرصة للحديث عن تجربتها الأدبـــــــية وروايتــــــها الأولى، كما شكرت كل من قرأ الرواية أو أثنى عليها أو شجعها أو قدم نقداً بنّاءً لها، متمنية أن تبقى الكتابة مساحة أعبّر من خلالها عن الإنسان والحياة، بكل ما فيهما من أحلام وتناقضات وتجارب ووداعات، وأن تكون « الوداع الفاخر « بداية لإنطلاقة أدبية جديدة تحمل المزيد من النضج والصدق والقدرة على ملامسة القارئ.