إبراهيم حسين عگلة.. ذاكرة ريفية زاخرة تأبى النسيان
نايف عبوش
الأديب المبدع إبراهيم حسين عگلة ذاكرة ريفية زاخرة، ما زالت تحتفظ بالكثير من ملامح الحياة التي عاشها الريف العراقي، في زمن كانت فيه البساطة عنواناً للحياة، والتواصل الاجتماعي بين أبناء القرية جزءاً من نسيج الحياة اليومية.
إنه إنسان قروي خالص، تشكل وجدانه الأول في بيئة ريفية ،تركت في روحه وشماً،لا تمحوه السنوات. فقد عاش تفاصيل الحياة الريفية بكل ما فيها من متاعب ومتعة، من مواسم الزراعة والحصاد، إلى جلسات الأهل والأقارب،وتعاليل الربع، ومن علاقات الجيرة والتعاون ،إلى العادات والتقاليد النبيلة ،التي كانت تمنح المجتمع الريفي تماسكه ودفء علاقاته.
لقد عاش الأديب التراثي الزاخر ابراهيم حسين عگلة تلك المرحلة من الداخل، لا بوصفه متفرجاً عليها،بل متفاعلا، وصانعا لها،ولذلك بقيت تفاصيلها حية في ذاكرته، فظل يعرف أسماء الأشياء، وطرائق العمل، ويستظهر أحاديث الرجال، وأهازيج المناسبات، ومواقف الناس، كما يعرف كيف كانت الأيام تمضي بطيئة في ظاهرها، ولكنها كانت غنية بما يملأ الذاكرة بالحكايات.
تفاصيل عصرية
ثم حملته الحياة إلى المدينة، فعاش حياة الحضر بكل تفاصيلها العصرية،فقد انتقل من فضاء الريف المفتوح إلى فضاء المدينة المتعدد، وشاهد كيف تغيرت أنماط العيش، وكيف بدأت العلاقات الاجتماعية تتخذ أشكالاً جديدة، وكيف دخلت المعطيات الحديثة إلى تفاصيل الحياة اليومية.
ولم يتوقف مسار تجربته عند الريف والمدينة، بل خاض أيضاً تجربة العمل في المجال الصناعي، حيث وجد نفسه أمام عالم مختلف تحكمه الآلة والتقنية والتنظيم الحديث. وهنا تتجلى خصوصية تجربته، فهو رجل جمع في سيرته الشخصية بين ذاكرة الريف، وتجربة المدينة، وثقافة العمل الصناعي، فعاش التحول الاجتماعي، والتقني،من خلال معايشة فعلية , امتدت سنوات طويلة.
ومع ذلك، لم تستطع المدينة، بكل صخبها وتحولاتها، أن تنتزع من داخله ذلك الإنسان الريفي الخالص الذي نشأ في أحضان بساطة النشأة الأولى،حيث ظل مشدوداً إلى جذوره، يستعيد أيامه القديمة،كلما أثارت الذاكرة في داخله صورة، أو موقفاً، أو اسماً،أو مكاناً يستفز وجدانه.
ولعل مما يثير الاعجاب،ان استذكاراته الشجية، لا تأتي على هيئة سرد جاف للموروث، بل تستعيد الماضي بروح إبداعية نابضة. فعندما يتحدث عن الأمس، تشعر أن الحكاية تستعيد حياتها من جديد، وكأن الأشخاص الذين غابوا، والأماكن التي تغيرت، والأيام التي انقضت، تعود إلى المشهد من جديد.
وهكذا تأتي العتابة عنده لتختصر وجعاً أو حنيناً، ويأتي الزهيري ليمنح المعنى مغزاه وبلاغته، فيصبح وسيلة لاستعادة الذاكرة ،والتعبير عن مشاعر يصعب على الكلام العادي وصفها.
فالعتابة عنده اطلالة على وجدان الأمس، والزهيري ذاكرة مكثفة تختزن التجربة ،ومرارة المعاناة ،وجمال الحنين.
حياة حديثة
على إن وهج إبراهيم حسين عگلة لا يكمن في كونه عاش زمناً ريفياً فحسب، وإنما في أنه حفظ شيئاً من ذلك الزمن في ذاكرته، ثم حمله معه، وهو يعبر إلى المدينة، والعمل الصناعي،والحياة الحديثة.
ولعل ما يجعل هذه الذاكرة جديرة بالالتفات، هو أن كثيراً من تفاصيل الحياة الريفية، لا توجد في الكتب، ولا تحفظها وثائق ، وإنما اعتادت أن تستقر في وجدان الذين عاشوها.
وهكذا ظل ابراهيم العگلة قرويا نقيا ،لم يغادر قريته تماماً، حتى وإن غادر مكانها ،فبقيت القرية تسكنه، وظلت طفولته الريفية ترافقه في المدينة،وفي أماكن العمل،وظل صدى أيامه الأولى حاضراً في حديثه، وفي حكاياته، وفي عتاباته وزهيرياته،ليبقى واحداً من الذين حملوا الموروث الريفي في وجدانهم، ليتحول من حيث لا يشعر، إلى ذاكرة حيّة لزمن بأكمله.