الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مرافعة شعبٍ أمام محكمة التاريخ والضمير

← بواسطة azzaman

مرافعة شعبٍ أمام محكمة التاريخ والضمير

حيدر عبدالجبار البطاط

 

المجني عليه: - حبيبي العراق … وطن الحضارات والشهداء والأمهات الثكالى.

المتهمون: -كل من تثبت مسؤوليته عن خيانة الأمانة أو هدر ثروات الشعب أو التفريط بحقوقه وسيادته ومن أعان على ذلك كلٌّ بقدر ما يثبته التحقيق .

بسم الله الرحمن الرحيم

سيادة رئيس محكمة التاريخ والضمير  …

أقف أمامكم اليوم لا لأدافع عن رجلٍ أو امرأة ولا لأطالب باسترداد مالٍ ضائع فحسب بل لأشتكي باسم وطنٍ أعطى أبناءه كل شيء ثم وجد بعضهم يتركونه ينزف !

أقف مشتكيًا باسم أمٍّ عراقية لا تعرف كيف تطعم أطفالها.

وأبٍ أنهكه العمر وهو يبحث عن لقمة كريمة.

ومريضٍ يعجز عن شراء دوائه.

وشابٍ يحمل شهادته ولا يجد فرصةً تليق بسنوات تعبه.

أشتكي باسم طفلٍ وُلد فوق أرضٍ تنام على النفط ثم نام جائعاً !!

لأن ثروة وطنه لم تصل إلى مائدته!

سيدي الرئيس…

إن المجني عليه في هذه القضية ليس غريباً عن المتهمين إنه الوطن الذي احتضنهم والأرض التي أطعمتهم والثروات التي كان ينبغي أن تحفظ كرامة أبنائه و أجياله.

إنه العراق العظيم الذي قدّم أبناءه شهداء ودفن شبابه في التراب وانتظرت أمهاته عودتهم فلم يعودوا… ثم يجد اليوم الفقير يتساءل …لماذا أموت من أجل وطنٍ لا أجد فيه ثمن دوائي؟

أيُّ وجعٍ أعظم من أن ينجو الوطن من رصاص أعدائه ثم يعجز عن حماية أبنائه من الفقر والحرمان؟

أيُّ خذلانٍ أشد من أن تفيض أرض العراق بالخيرات بينما يبحث بعض أبنائه عن لقمة العيش ويخاف مريضه من كلفة العلاج ويقف شبابه أمام أبواب العمل المغلقة؟

يا أبناء العراق…

ليست كل جريمةٍ تُرتكب بسلاح وليست كل خسارةٍ تُقاس بالأرقام.

قد يكون المال المهدور مدرسةً لم تُبنَ

ودواءً لم يصل إلى مريض

وماءً لم يصل إلى قرية

 وفرصة عملٍ سُلبت من شاب

وكرامةً انكسرت في قلب أبٍ لم يستطع أن يلبي حاجة أطفاله.

 

وحين تضيع ثروات الدولة فإن الخسارة لا تقع على خزائنها وحدها بل يدفع ثمنها الفقير من جوعه والمريض من ألمه والطفل من مستقبله.

فالفساد متى ثبت ليس مجرد اعتداءٍ على المال العام إنه اعتداءٌ على حقوق الناس وأعمارهم وأحلامهم.

ولذلك لا أطلب إدانة أحدٍ بلا دليل ولا عقوبةً بلا محاكمة عادلة.

أطلب أن تُفتح الملفات الجدية وأن تُفحص الوثائق وأن تُحدد المسؤوليات وأن يُحاسب كل من تثبت مخالفته مهما علا منصبه أو اتسع نفوذه.

فليس من العدل أن تبقى الشكوى تنتظر بينما تبقى الحقيقة معلّقة وتبقى حقوق الناس بلا جواب.

سيادة الرئيس…

أنا المشتكي في هذه القضية قد أمضيت أربعةً وثلاثين عاماً في القطاع النفطي.

وأعرف أن النفط ليس مجرد براميل تُستخرج وتُباع إنه أمانة وطنية وحقٌّ للشعب وثروةٌ ينبغي أن تتحول إلى حياةٍ كريمة لكل مواطن.

لم أقف هنا لأنني أملك سلطةً أو أبحث عن مجدٍ شخصي

بل لأنني أؤمن أن السؤال عن المال العام و حمايته واجب وأن كشف الخلل ليس جريمة وأن الوثيقة التي تحمل دليلاً تستحق التحقيق لا أن تُترك حبيسة الأدراج.

لا أطلب أن تصدقوني لمجرد أنني أتكلم.

أطلب أن تفحصوا ما أقدمه من أدلة وأن تسمعوا جميع الأطراف وأن تكون الحقيقة وحدها صاحبة الكلمة الأخيرة.

وأقول لكل شريفٍ يخشى أن يكون صوته وحيداً

لا تجعلوا الخوف أقوى من ضمائركم ولا تسمحوا بأن يصبح الصمت طريقاً لضياع الحقوق.

وثّقوا وقدّموا الأدلة واسلكوا الطرق القانونية وساندوا كل جهدٍ نزيهٍ يحمي العراق وأمواله.

إن الوطن لا يحتاج إلى مزيدٍ من البكاء عليه يحتاج إلى من يمنع سرقة ما تبقى من مستقبله.

المرافعة الأخيرة ( العراق يسأل أبناءه )

سيدي الرئيس…

تخيّلوا العُراق ( كما قال الجواهري مرفوعا بالضم ) واقفاً أمامنا لا يحمل سيفاً ولا يطلب انتقاماً بل يمد يديه إلينا كما يفعل الأب حين يعود إليه أبناؤه.

ثم يسألنا بصوتٍ أنهكته الحروب والسنوات:

يا أبنائي…

أعطيتكم أرضي وخيراتي ومائي ونفطي ودفعت من دماء أبنائي ثمناً لبقائي… فلماذا ما يزال الفقير جائعاً؟

ولماذا يخاف المريض من ثمن الدواء؟

ولماذا أصبح الشاب يحلم بمغادرة وطنه بدلاً من أن يحلم ببنائه؟

هل قصّرتُ معكم أم قصّرتم في الأمانة التي وضعتها بين أيديكم؟

ماذا سنقول لهذا الوطن حين يسألنا أطفالنا غداً

ماذا فعلتم بالعراق حين كان بين أيديكم؟

هل سنقول إننا رأينا أوجاعه فاكتفينا بالبكاء؟

وإننا عرفنا أن هناك خللاً فسكتنا؟

وإننا تركنا المال العام بلا حماية والفقير بلا سند والحقيقة بلا جواب؟

أم سنقول إننا رغم كل شيء لم نتخلَّ عنه طالبنا بالعدالة ودافعنا عن حقوق الناس ووقفنا مع القانون ورفضنا أن يكون الفساد قدراً لا يتغير؟

يا أبناء العراق…

لا تبكوا الوطن ثم تتركوه وحيداً.

لا تمدحوا الشرفاء في كلماتكم ثم تصمتوا حين يحتاجون إلى كلمة حق.

ولا تجعلوا انتماءكم للعراق شعاراً يُرفع في المناسبات بل موقفاً يظهر حين تكون مصلحة الوطن أغلى من المصلحة الشخصية.

أنا المشتكي و ابي العراق هو المجني عليه

 والشعب هو صاحب الحق

والقانون هو الحكم الذي نرجو أن ينصفه.

أطلب تحقيقاً لا يخضع للنفوذ وعدالةً لا تميّز بين مسؤولٍ ومواطن ومحاسبةً لكل من تثبت مسؤوليته

واسترداداً لكل مالٍ عام يثبت أنه سُلب أو أُهدر بطرقٍ غير مشروعة.

وأطلب من كل عراقيٍ شريف أن يتمسك بالأمل لا لأن الطريق سهل بل لأن الاستسلام يعني أن نترك مستقبل أبنائنا لمن لا يصون أمانته.

والله ما أبكاني على العراق أنه فقيرٌ في أرضه بل أن يكون غنياً بثرواته وفقيراً في حقوق بعض أبنائه.

وما أخشاه ليس أن تنتهي ثرواته وحدها بل أن ينتهي في قلوب أبنائه الإيمان بإمكانية إنقاذه.

يا عراق… لن نطلب لك الانتقام بل العدالة.

ولن نطلب لك الدموع بل الحقوق.

ولن نطلب لك الشعارات بل دولةً تصون أمانتك وتحمي أبناءك.

فيا كل من بقي في قلبه مكانٌ لحب هذا الوطن…

لا تتركوا العراق يبكي وحده.

فالعراق ليس ملكاً لحزبٍ أو مسؤول ولا غنيمةً يتقاسمها أصحاب النفوذ إنه أمانة الشهداء وحق الفقراء ومستقبل الأطفال وكرامة كل عراقي.

والسلام على العراق يوم أحببناه ويوم دافعنا عنه ويوم نعيد إليه حقه وكرامته.

المشتكي: المهندس حيدر عبدالجبار البطاط

( سيبقى العراق أكبر من كل من أساء إليه وستبقى الحقيقة أمانة والعدالة أملاً لا نتنازل عنه )


مشاهدات 45
الكاتب حيدر عبدالجبار البطاط
أضيف 2026/10/17 - 1:41 AM
آخر تحديث 2026/10/17 - 2:16 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 204 الشهر 31421 الكلي 16616590
الوقت الآن
السبت 2026/10/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير