دولة العراق أمام تحدّي السيادة ووحدة القرار… لماذا ينبغي أن تكون علاقاتها الدولية مثل مكعب روبيك؟
خالد محسن الروضان
لم تعد العلاقات الدولية في عالمنا المعاصر تُدار وفق الاصطفافات العقائدية الجامدة، ولا يمكن للدول أن تحمي سيادتها ومصالح شعوبها بالاعتماد على العواطف السياسية أو الولاءات الأيديولوجية. فالعالم يشهد تحولات متسارعة في موازين القوى، تتطلب من الدول، ولا سيما تلك التي تقع في قلب الصراعات الإقليمية والدولية، أن تعيد النظر في هندسة علاقاتها الخارجية، بما يضمن استقلال قرارها الوطني ويحفظ مصالحها العليا.
والعراق، بحكم موقعه الجيوسياسي وتاريخه المضطرب، يمثل نموذجًا مهمًا لدولة دفعت أثمانًا باهظة نتيجة الصراعات الدولية والإقليمية، وما رافقها من استقطابات وحروب وتدخلات خارجية.
ومن هنا يبرز السؤال: لماذا ينبغي للعراق أن يدير علاقاته الدولية كما تُدار أوجه مكعب روبيك؟
العراق بين قطبي الحرب الباردة
بعد الحرب العالمية الثانية، تبلور نظام دولي ثنائي القطبية، تقوده الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، وتحولت الأيديولوجيا إلى أحد المحركات الأساسية للعلاقات الدولية، فتوزعت الدول بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، وظهرت الأحلاف العسكرية التي عمّقت الاستقطاب العالمي.
ورغم ظهور حركة عدم الانحياز، ومحاولاتها إيجاد مساحة مستقلة للدول خارج دائرة الصراع بين القطبين، بقيت تأثيرات الحرب الباردة حاضرة في السياسات الداخلية والخارجية لدول عديدة.
أما العراق، الذي نال استقلاله الرسمي عام 1932، فقد ظل مرتبطًا بعلاقات سياسية واستراتيجية وثيقة مع بريطانيا، ثم دخل في ترتيبات التحالف الغربي خلال العهد الملكي، وكان انضمامه إلى حلف بغداد عام 1955 تعبيرًا واضحًا عن موقعه في معادلة الاستقطاب الدولي.
لكن ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958، التي أنهت النظام الملكي وأعلنت الجمهورية، أحدثت تحولًا في اتجاهات السياسة الخارجية العراقية، تُوّج بانسحاب العراق من حلف بغداد عام 1959، واتساع علاقاته مع الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي.
وهكذا أصبح العراق جزءًا من معادلة إقليمية ودولية معقدة، تتداخل فيها مصالح القوى الكبرى مع الصراعات المحلية، ولا سيما في ظل الدور الاستراتيجي الذي كانت تؤديه إيران إبان حكم الشاه محمد رضا بهلوي.
من اتفاق الجزائر إلى الحرب العراقية الإيرانية
شهد العراق خلال العقود اللاحقة سلسلة من الانقلابات والتحولات السياسية التي أضعفت البناء المؤسسي للدولة، وعززت مركزية السلطة الفردية والحزبية.
وكانت القضية الكردية إحدى أبرز أوراق الصراع الإقليمي، إذ قدمت إيران الشاه دعمًا للحركة الكردية العراقية، في سياق خلافاتها مع بغداد، قبل أن يشكل اتفاق الجزائر عام 1975 نقطة تحول أساسية في العلاقات بين البلدين، وما ترتب عليه من توقف الدعم الإيراني للحركة الكردية آنذاك.
ثم جاء عام 1979 حاملًا تحولَين تاريخيين كبيرين: سقوط النظام الملكي في إيران وقيام الجمهورية الإسلامية بقيادة آية الله الخميني، وتولي صدام حسين رئاسة الجمهورية العراقية خلفًا لأحمد حسن البكر.
وقد أسهمت هذه التحولات، إلى جانب الخلافات الحدودية والتوترات السياسية والأمنية، في تصاعد المواجهة بين العراق وإيران، وصولًا إلى اندلاع الحرب في أيلول عام 1980، التي استمرت ثماني سنوات، وخرج منها البلدان بخسائر بشرية واقتصادية وعسكرية هائلة.
لقد كشفت تلك الحرب أن الانتصار العسكري المعلن لا يعني بالضرورة تحقيق المكاسب الاستراتيجية، وأن استنزاف موارد الدول وشعوبها قد يتركها أكثر عرضة للتدخلات الخارجية والاضطرابات الداخلية.
الكويت… من الحرب إلى الحصار والاحتلال
لم تمضِ سوى سنتين على انتهاء الحرب العراقية الإيرانية حتى دخل العراق أزمة جديدة مع الكويت، على خلفية خلافات مالية ونفطية وحدودية، انتهت بالغزو العراقي للكويت في الثاني من آب عام 1990.
وأعقب ذلك تشكيل تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة، واندلاع حرب الخليج عام 1991، التي انتهت بإخراج القوات العراقية من الكويت، وما رافقها من دمار واسع في البنية التحتية العراقية، ثم سنوات طويلة من العقوبات الدولية التي تركت آثارًا عميقة في حياة المجتمع والاقتصاد.
وفي عام 2003، تعرض العراق للغزو الذي قادته الولايات المتحدة، وسقط نظام الحكم السابق، لتبدأ مرحلة جديدة اتسمت بتفكك مؤسسات الدولة، وتصاعد العنف الطائفي، وتنامي نفوذ القوى الإقليمية والدولية في القرار العراقي.
لقد أصبح العراق، في مراحل مختلفة، ساحة لتقاطع المصالح الأمريكية والإيرانية، فضلًا عن تأثيرات القوى الإقليمية الأخرى، الأمر الذي أثار إشكالية جوهرية تتعلق بقدرة الدولة العراقية على امتلاك قرارها المستقل.
مواجهة الإرهاب واستعادة سلطة الدولة
شكّل تمدد تنظيم داعش وسيطرته على الموصل ومناطق عراقية أخرى عام 2014 أحد أخطر التحديات التي واجهت الدولة العراقية الحديثة.
وقد خاض العراق معركة واسعة لاستعادة أراضيه، شاركت فيها تشكيلات القوات المسلحة العراقية بمختلف صنوفها، إلى جانب المتطوعين والقوات المساندة، وبدعم جوي واستخباري من التحالف الدولي.
وأُعلن النصر العسكري على التنظيم في كانون الأول عام 2017، بعد تضحيات بشرية ومادية جسيمة.
غير أن استعادة الأرض لا تعني وحدها اكتمال السيادة؛ فالتحدي الأهم يتمثل في بناء دولة تحتكر القرار العسكري والأمني، وتخضع فيها جميع التشكيلات المسلحة لسلطة المؤسسات الدستورية والقانون.
فالسيادة ليست مجرد خروج قوات أجنبية أو رفع العلم فوق الحدود، بل هي قدرة الدولة على اتخاذ قراراتها السياسية والاقتصادية والأمنية دون وصاية خارجية أو ازدواجية داخلية في مراكز القرار.
لماذا مكعب روبيك؟
إن تشبيه العلاقات الدولية بمكعب روبيك ليس مجرد استعارة لغوية، بل محاولة لفهم طبيعة التوازنات التي ينبغي أن تحكم السياسة الخارجية العراقية.
فمكعب روبيك يتكون من أوجه متعددة، لكل منها لونه وموقعه، ولا يمكن الوصول إلى انتظامه النهائي بتحريك وجه واحد بمعزل عن بقية الأوجه. فأي حركة غير محسوبة قد تعيد ترتيب جانب، لكنها تربك الجوانب الأخرى.
وهكذا هي العلاقات الدولية.
فالعراق يحتاج إلى علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة، وإيران، وتركيا، والدول العربية، والاتحاد الأوروبي، والصين، وروسيا، وسائر دول العالم، دون أن تتحول علاقته مع طرف إلى خصومة تلقائية مع طرف آخر.
وليس المطلوب أن يقف العراق على مسافة حسابية متساوية من الجميع، بل أن يمتلك القدرة على تحديد مصالحه الوطنية والتعامل مع كل دولة وفق طبيعة الملفات المشتركة معها.
فالعلاقة الاقتصادية مع الصين، على سبيل المثال، لا ينبغي أن تمنع التعاون العلمي والتكنولوجي مع الولايات المتحدة، كما أن العلاقات الجغرافية والتاريخية مع إيران وتركيا لا ينبغي أن تكون على حساب عمق العراق العربي أو استقلال قراره الوطني.
إن نجاح هذه المعادلة يتطلب دبلوماسية متحركة، تستند إلى قراءة علمية لموازين القوى، وتبتعد عن الانفعالات العقائدية والمذهبية، وتضع مصلحة العراق فوق حسابات الأحزاب والتحالفات.
من دولة المحاور إلى دولة المصالح
لقد دفع العراق خلال تاريخه الحديث أثمانًا باهظة نتيجة الحروب والاستقطابات السياسية، ولذلك فإن بناء علاقاته الخارجية في المرحلة المقبلة يقتضي الانتقال من عقلية المحاور إلى عقلية المصالح المتبادلة.
وهذا التحول لا يتحقق بمجرد إعلان سياسة خارجية متوازنة، بل يحتاج إلى مقومات داخلية أساسية، في مقدمتها وحدة القرار السياسي، وحصر السلاح بيد الدولة، وتعزيز استقلال المؤسسات، وبناء اقتصاد متنوع يقلل الاعتماد على النفط، ويمنح العراق قدرة أكبر على المناورة في علاقاته الدولية.
فالدولة التي تعاني انقسامًا في قرارها الداخلي يصعب عليها أن تتحدث بصوت واحد في الخارج، والدولة التي يعتمد اقتصادها على مصدر واحد للإيرادات تبقى أكثر تأثرًا بالضغوط والتقلبات الدولية.
إن السيادة الوطنية تبدأ من الداخل، من احترام الدستور والقانون، ومن قدرة المؤسسات على تمثيل جميع المواطنين، ثم تنعكس على الخارج في صورة علاقات تقوم على الندية والاحترام المتبادل.
العراق أولًا… والسيادة فوق الاصطفافات
إن الدرس الذي يمكن استخلاصه من تاريخ العراق، منذ الحرب الباردة وحتى التحولات الدولية الراهنة، هو أن الدول لا تحمي نفسها بالشعارات، وإنما بامتلاك رؤية استراتيجية واضحة، ومؤسسات قادرة على تنفيذها.
فليس من مصلحة العراق أن يكون ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى، أو امتدادًا لصراعات إقليمية لا تخدم شعبه، وإنما أن يكون دولة فاعلة في محيطها العربي والإقليمي والدولي، قادرة على التعاون مع الجميع وفق قواعد السيادة والمصلحة المشتركة.
وهنا تتضح دلالة مكعب روبيك: فالحكمة السياسية لا تكمن في تحريك أحد الأوجه على حساب الأوجه الأخرى، بل في القدرة على تنسيق الحركة بينها للوصول إلى حالة من التوازن والاستقرار.
إن العراق لا يحتاج إلى تبديل ولاء خارجي بولاء آخر، بل إلى ترسيخ ولاء واحد لا يقبل المساومة: الولاء للدولة العراقية ومصالح شعبها.
فالعلاقات الدولية تتغير، والتحالفات تتحرك، والمصالح تتبدل، لكن العراق يجب أن يبقى ثابتًا في سيادته، موحدًا في قراره، مستقلًا في إرادته.
وتلك هي الإجابة عن السؤال: لماذا ينبغي أن تكون علاقات العراق الدولية مثل مكعب روبيك؟