هل ستشارك المعرفة الرقمية في كتابة التاريخ؟
رشيد العجيل
لم يكن الإنسان في أي عصر قادراً على حفظ ذاكرته كما يستطيع اليوم. فالرقمنة( المعرفة الرقمية) والذكاء الاصطناعي يتيحان تحويل ملايين الكتب والوثائق إلى مصادر يمكن الوصول إليها وتحليلها خلال ثوانٍ. وهذه ثورة معرفية لا يمكن إنكارها.
لكن هذا التطور يطرح سؤالاً بالغ الأهمية: هل يمكن أن نحفظ المعرفة الرقمية ونفقد في الوقت نفسه أصولها؟
أثارت تقارير وتحقيقات حديثة جدلاً حول شركات تستخدم الكتب بكميات كبيرة لأغراض الرقمنة وتطوير الذكاء الاصطناعي. ومن أبرز الحالات شركة Anthropic ومشروعها المعروف باسم Project Panama، حيث جرى الحصول على أعداد كبيرة من الكتب وتجهيزها للمسح الضوئي، وتضمنت بعض العمليات تفكيك الكتب والتخلص من النسخ الورقية بعد رقمنتها. كما ظهرت في عام 2026 تقارير عن عمليات مرتبطة بشركة Amazon شملت شراء كميات كتب كبيرة ومعالجتها بالمسح الضوئي وإزالة التجليد من بعضها أو اتلافها.
المشكلة هنا ليست في الرقمنة نفسها؛ فهي وسيلة مهمة لحماية المعرفة من الضياع وإتاحتها للباحثين في أنحاء العالم. لكن الكتاب ليس مجرد كلمات. فالورق والحبر والتجليد والختم والتوقيع والملاحظات الجانبية وتاريخ الطبعة كلها قد تحمل قيمة تاريخية لا تنقلها بالضرورة الصورة الرقمية.
وقد تبدو هذه التفاصيل غير مهمة اليوم، لكنها قد تصبح بعد عقود أدلة أساسية للباحثين في إثبات أصالة وثيقة أو تحديد تاريخها أو الفصل بين روايات متعارضة.
وهنا تظهر القضية الأهم: ماذا يحدث إذا اختفى الأصل وأصبح الملف الرقمي هو المرجع الوحيد؟
الملفات الرقمية قابلة للتحديث والنقل وإعادة المعالجة، والذكاء الاصطناعي يستطيع تلخيص النصوص وإعادة صياغتها وربطها بمصادر أخرى. وعندما تختفي الوثيقة الأصلية، يصبح من الصعب معرفة ما إذا كانت النسخة المتداولة تمثل الأصل بدقة أم أنها مرت بتغييرات عبر الزمن.
لا يعني ذلك اتهام Amazon أو Anthropic بالسعي إلى تغيير التاريخ، ولا أن كل عملية رقمنة تمثل خطراً. لكن استمرار هذا النهج على نطاق واسع قد يؤدي، على مدى عقود، إلى ترك جزء كبير من الذاكرة الإنسانية في قواعد بيانات تملكها شركات محدودة او دول تتعارض مصالحها بينما تختفي الأصول التي تسمح للأجيال القادمة بالتحقق منها.
يجب أن تتحمل الحكومات والمكتبات والجامعات والمتاحف مسؤوليتها وهنا في بلدنا العراق وتاريخنا في بلاد الرافدين ضرورة الاهتمام بالموروث التأريخي خصوصاً بعد ما رأيناه في استهداف المتاحف العراقية والمكتبات القديمة عام ٢٠٠٣. فالكتب النادرة والمخطوطات والوثائق التاريخية يجب أن تخضع لحماية خاصة، وأن تُرقمن للاستفادة منها، لكن دون أن يكون ذلك مبرراً لإتلاف أصولها.
يجب أيضاً إنشاء أرشيفات رقمية متعددة ومستقلة، مع توثيق مصدر كل نسخة وتاريخ رقمنتها وأي تعديلات تطرأ عليها، بحيث يبقى الأصل المادي هو المرجع النهائي عند ظهور أي اختلاف.
إننا لا نحتاج إلى الاختيار بين التكنولوجيا والتراث. المطلوب هو استخدام التكنولوجيا لحماية التراث لا لاستبداله.
فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعدنا في قراءة المخطوطات، وترجمة اللغات القديمة، ومقارنة ملايين الوثائق، واكتشاف معلومات ربما يعجز الإنسان عن الوصول إليها. لكنه لا ينبغي أن يصبح بديلاً عن المصدر الذي نستطيع من خلاله التحقق من الحقيقة.
قد لا ندرك اليوم قيمة كتاب قديم، لكن الباحث بعد مئة عام ربما يجد في ورقة أو ختم أو ملاحظة صغيرة الدليل الذي يحسم قضية تاريخية كاملة.
لذلك يجب أن تكون القاعدة واضحة:
رقمنوا الكتب، لكن لا تتلفوا الأصول.
فالنسخة الرقمية تحفظ المحتوى، أما الأصل فيحفظ الدليل.
وإذا فقدنا الأصول، فقد نترك للأجيال القادمة تاريخاً رقمياً واسعاً، لكننا نحرمهم من القدرة على التأكد بأنفسهم من أن ما يقرؤونه هو بالفعل ما كتبه وأسّسه أسلافهم.
فالتاريخ الذي نفقد أصوله قد يبقى محفوظاً في الذاكرة الرقمية، لكنه يصبح أكثر عرضة لأن يُعاد تفسيره أو إعادة كتابته.