الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الشتاء آتٍ لكننا لن نراه

← بواسطة azzaman

الشتاء آتٍ لكننا لن نراه

هدى زوين

 

ليست المأساة في أن يعجز الإنسان عن إيجاد إجابات نهائية لمشكلاته، بل في أن يعتقد أنّ ما توصّل إليه من معرفة كافٍ لحمايته من تكرار أخطاء الماضي. فالحياة، بطبيعتها المتغيّرة، لا تمنحنا حلولًا مكتملة، ولا تضع بين أيدينا ضمانات دائمة للبقاء، بل تفرض علينا مواصلة التفكير والتطوّر، بحثًا عن صيغ جديدة تحفظ للإنسان حقّه في الوجود، وتصون كرامته في مواجهة التحوّلات المتسارعة.

إنّ الإيمان بالتطوّر لا يعني الوصول إلى مرحلة نهائية من الوعي، بل الاعتراف بأنّ كلّ إجابة قد تفتح بابًا لسؤال جديد، وأنّ المستقبل يظلّ مساحةً مفتوحة لاكتشاف ما لم نعرفه بعد. غير أنّ هذا الانفتاح على المستقبل يفقد معناه حين يتقدّم الإنسان تقنيًا، بينما يتراجع أخلاقيًا، وحين تتّسع قدرته على السيطرة على العالم، في مقابل عجزه عن التحرّر من الأفكار التي صنعت مآسيه الأولى.

لقد تصوّرنا أنّ البشرية تجاوزت أسطورة الدماء النقيّة، والأجناس المتفاضلة، والتصنيفات التي تمنح فئةً من البشر حقًّا مزعومًا في التفوّق على غيرها. اعتقدنا أنّ ما خلّفته الحروب من خراب، وما راكمته التجارب التاريخية من دروس، كفيلان بإغلاق هذا الفصل من الوعي الإنساني إلى الأبد. لكنّ الوقائع تكشف أنّ الأفكار لا تموت بالضرورة حين تُدان، وأنّ الأوهام القديمة تستطيع استعادة حضورها متى وجدت بيئةً سياسية أو اجتماعية تمنحها شرعيةً جديدة.

فالتمييز لا يعود دائمًا بملامحه الصريحة؛ قد يتخفّى خلف خطاب الأمن، أو المصلحة، أو الهوية، أو حتى تحت شعارات الدفاع عن الحضارة. وقد تتحوّل الفوارق بين البشر إلى أدوات لتوزيع الحقوق والفرص، وتحديد من يستحقّ الحماية ومن يمكن التخلّي عنه. عندها لا يعود الخطر في وجود الكراهية وحدها، بل في قدرتها على اكتساب لغة مقبولة، وفي تحوّل الاستثناء إلى قاعدة، والظلم إلى إجراء، والإقصاء إلى وجهة نظر قابلة للتبرير.

مفارقات العصر

وهنا تتجلّى إحدى أكثر مفارقات العصر إيلامًا: أن يمتلك الإنسان وسائل اتصال لم تعرفها الأجيال السابقة، ثم يعجز عن التواصل مع إنسانيّة الآخر؛ أن تتقدّم العلوم، بينما تستعيد المجتمعات أحكامًا ظنّت أنّها دفنتها؛ وأن تصبح المعرفة متاحةً على نطاق واسع، من دون أن تصبح الحكمة بالضرورة أكثر حضورًا في القرارات والمواقف.

إنّ المشكلة ليست في اختلاف البشر، فالاختلاف حقيقة أصيلة في الوجود، بل في تحويله إلى سلّم للقيمة الإنسانية. فحين يُقاس الإنسان بأصله أو دمه أو انتمائه، بدلًا من أفعاله ومسؤوليته الأخلاقية، نكون قد استبدلنا معيار العدالة بمنطق الامتياز، وأعدنا إنتاج التاريخ بأدوات جديدة. وما يبدو في ظاهره صراعًا على الهوية قد يكون، في عمقه، صراعًا على الحقّ في الاعتراف بالآخر إنسانًا كامل الحقوق.

أمّا الشتاء في عنواننا، فليس فصلًا من فصول السنة فحسب؛ إنّه استعارة للحظة التي تتراكم فيها الأزمات، وتتراجع فيها الثقة بالمستقبل، ويصبح البقاء نفسه سؤالًا مفتوحًا. إنّه ذلك البرد الذي يبدأ في الوعي قبل أن يصل إلى الأجساد، حين يعتاد الإنسان مشاهد الألم، ويصبح موت الآخرين خبرًا عابرًا، وتفقد المآسي قدرتها على إيقاظ الضمير.

«الشتاء آتٍ قريبًا، لكننا لن نراه»؛ ليست العبارة إعلانًا عن نهاية حتمية، بل تحذير من مستقبل قد يُحرم فيه الإنسان من فرصة رؤية نتائج ما يصنعه اليوم. فنحن لا نعيش الحاضر وحده، بل نهيّئ، بقراراتنا وأفكارنا ومواقفنا، الشروط التي سيعيشها من يأتي بعدنا. وقد لا نكون شهودًا على اكتمال الأزمات التي نساهم في صنعها، لكنّ غيابنا عن نتائجها لا يعفينا من مسؤولية أسبابها.

إنّ المستقبل لا يُهدَّد فقط بما نجهل، بل بما نرفض الاعتراف به؛ ولا تصنعه التكنولوجيا وحدها، بل تصنعه أيضًا منظومة القيم التي توجّه استخدامها. لذلك، فإنّ حماية حقّنا في البقاء لا تبدأ من البحث عن حلول مؤقتة للأزمات، وإنما من إعادة النظر في الأسس التي تجعل الإنسان قادرًا على تبرير الظلم، أو الصمت عنه، أو التعامل معه بوصفه أمرًا طبيعيًا.

ربما لن نجد جوابًا واحدًا ينهي مشكلات البشرية، وربما تظلّ الأسئلة أكثر من قدرتنا على الإجابة. لكنّ ذلك لا يسلبنا مسؤولية المحاولة، ولا يعفينا من ضرورة التعلّم. فالتطوّر الحقيقي ليس أن نبتكر وسائل أكثر تعقيدًا لإدارة العالم، بل أن نبلغ من النضج ما يمنعنا من تحويل اختلافاتنا إلى أسباب للفناء.

وهنا، ليس أخطر ما قد يحدث أن يأتي الشتاء، بل أن نكون قد ساهمنا في إطفاء ما تبقّى من دفء إنساني، ثم ننتظر من المستقبل أن يمنحنا ربيعًا لم نعمل على حمايته.

 


مشاهدات 30
الكاتب هدى زوين
أضيف 2026/10/21 - 3:13 PM
آخر تحديث 2026/10/22 - 6:57 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 699 الشهر 42730 الكلي 16627899
الوقت الآن
الخميس 2026/10/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير