الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
شخصيات من بلادي.. محمد شكري جميل

← بواسطة azzaman

شخصيات من بلادي.. محمد شكري جميل

فارس السينما العراقية يمنح المكان والزمان حضوراً حقيقياً

صالح رضا

 

حين نتحدث عن السينما العراقية وروادها الذين أسهموا في تشكيل هويتها، يبرز اسم المخرج الكبير محمد شكري جميل بوصفه واحدًا من أهم المخرجين الذين ارتبطت أسماؤهم بتاريخ السينما العراقية الحديثة. فقد عاش السينما شغفًا ومهنة ورسالة، وترك عبر عقود طويلة من العمل أفلامًا بقيت حاضرة في ذاكرة المشاهد.

ولد جميل في بغداد عام 1937، وبدأ علاقته بعالم السينما في وقت مبكر، فعمل في مجالات التصوير والمونتاج والإخراج، واكتسب خبرة واسعة في صناعة الفيلم. ثم واصل دراسته السينمائية في بريطانيا، وهناك تعرّف بصورة أعمق إلى تقنيات السينما وأساليبها، قبل أن يعود إلى العراق وهو يحمل معرفة وخبرة أراد أن يوظفهما في خدمة السينما العراقية. كانت بداياته مرتبطة بالأفلام الوثائقية، وقد منحته هذه التجربة قدرة خاصة على قراءة الواقع والاهتمام بالتفاصيل، وهي سمة ظلت واضحة في أعماله الروائية لاحقًا. فلم يكن ينظر إلى السينما باعتبارها مجرد حكاية تُروى أمام الكاميرا، وإنما كان يرى في الصورة وسيلة لتسجيل الزمن والإنسان والمكان.

وفي عام 1973 أخرج فيلم «الظامئون»، الذي يعد من الأعمال المهمة في تاريخ السينما العراقية، ثم جاءت أعمال أخرى رسخت حضوره، وفي مقدمتها «الأسوار» و«المسألة الكبرى». وقد تناول في أفلامه قضايا الإنسان العراقي والتاريخ والوطن، واستطاع أن يجعل المكان العراقي حاضرًا بقوة في الصورة السينمائية. وكان فيلم «المسألة الكبرى» من أبرز محطاته، إذ تناول جانبًا من تاريخ العراق ومقاومته للاحتلال البريطاني، وقدم رؤية سينمائية واسعة جمعت بين الحدث التاريخي والشخصية الإنسانية. كما قدم خلال مسيرته أفلامًا وأعمالًا أخرى تنوعت بين الروائي والوثائقي، وظل متمسكًا بالصورة التي تحمل معنى وتتجاوز حدود المشهد العابر. ومن أبرز ما يميز تجربة محمد شكري جميل اهتمامه بالتفاصيل؛ في حركة الشخصيات، وفي بناء المشهد، وفي اختيار الأماكن، وفي التعامل مع الضوء والصورة. وربما لهذا السبب حملت أفلامه طابعًا خاصًا يمكن للمتلقي أن يتعرف إليه من خلال الصورة قبل أن يعرف اسم المخرج. ولم تكن السينما عنده مجرد صناعة للترفيه، بل كانت ذاكرة وطن. فقد حاول من خلالها أن يوثق مراحل وأحداثًا وشخصيات وبيئات عراقية، وأن ينقل إلى الشاشة شيئًا من حياة المجتمع العراقي وتحولاته. ولهذا بقيت تجربته مرتبطة بمرحلة مهمة من تاريخ الثقافة والفن في العراق.

كما أن عمله في الأفلام الوثائقية ترك أثرًا واضحًا في أسلوبه الروائي، فكان يميل إلى الواقعية والاقتراب من تفاصيل الحياة، ويمنح المكان والشخصية حضورًا حقيقيًا، وهو ما جعل أعماله تحمل قيمة فنية وتوثيقية في الوقت نفسه.

لقد أمضى جميل عقودًا في خدمة السينما العراقية، وعاصر أجيالًا مختلفة من الفنانين والممثلين والفنيين، وأسهم في ترسيخ مكانة الفيلم العراقي، حتى أصبح اسمه جزءًا من تاريخ هذه السينما وذاكرتها. رحل جميل في كانون الثاني عام 2025، بعد رحلة طويلة مع الفن، لكنه ترك وراءه إرثًا سينمائيًا لا يختصر بعدد الأفلام التي أخرجها، بل بما تركته تلك الأفلام من صور ومشاهد وذكريات في وجدان المشاهد العراقي. وحين أرسم بورتريه محمد شكري جميل ضمن مشروع «شخصيات من بلادي»، فإنني لا أرسم ملامح مخرج كبير فحسب، وإنما أحاول أن أحتفظ بريشتي بملامح رجل ارتبط اسمه بالصورة العراقية، وجعل من السينما نافذة نطل منها على تاريخنا وذاكرتنا وحياتنا. إنه أحد فرسان السينما العراقية، وفنان بقيت الكاميرا في يده وسيلة للحفاظ على الذاكرة، وبقيت أفلامه شاهدًا على زمن من أجمل وأهم مراحل الفن العراقي.

 

 

 

 


مشاهدات 39
أضيف 2026/10/21 - 2:54 PM
آخر تحديث 2026/10/22 - 1:10 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 140 الشهر 42171 الكلي 16627340
الوقت الآن
الخميس 2026/10/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير