صياد الكتب وسلالة المنقرضين
كامل عبدالرحيم
عن طريق الصدفة فحسب، عرفت بموت الكتبي خالد، وهو صاحب مكتبة خالد في شارع الربيع (حي الجامعة)، وقد كان له دور بارز في مجاله، على الأقل في جانب الكرخ من بغداد، وفي سنوات الحرب الطائفية السوداء.
قبل أكثر من عقد من السنين، حاول تجربة حظه في شارع المتنبي، فاتخذ مكانا له (سرداب) في قلب المتنبي، لكنه لم ينجح ولم يستمر. وأظنه في فترة ما أصبح الوكيل الحصري لمركز دراسات الوحدة العربية (خير الدين حسيب) في عصرها الذهبي.
قبل أقل من عام، ذهبت لشارع الربيع لأمر ما، وتعمدت المرور قرب مكتبته، فوجدتها ليست على ما يرام. لا أدري بالضبط متى مات خالد، لكن موقع مكتبته يفتح شهية أصحاب المشاريع، من مطاعم ومحلات موبايلات أو أحذية أو أجهزة كهربائية.
عامي 2005 و2006، ساقتني الظروف للتسوق منه كل يوم، كبائع وحيد ربما للصحف المتكاثرة والمتناثرة وقتذاك. رحمه الله.
عرفت خبر موته بالأمس في شارع المتنبي، عندما كنا جالسين ودخل علينا رجل، أسميته لاحقا بـ”صياد الكتب”. هيئته وذراعاه الطويلان القويان وبؤبؤا عينَيه القلقان خلف عيني الصياد المتضيقتين دائما بحثا عن طريدة.
دخل علينا صياد الكتب ويحمل في إحدى يديه مجلدا لكتاب أسود، مثلما يحمل الصياد أرنبا بريا اصطاده للتو، حتى أني بحثت عن قطرات دم تسقط من الطريدة. وتحدث مع صديقي عن كتب خالد التي يبيعها ورثته بأبخس الأسعار، فقط للتخلص منها. وكان الأرنب البري، أو الكتاب المجلد، واحدا منها.
عرفت منهما بموت خالد وعيناي تطاردان عنوان الكتاب، ولم أتحقق منه إلا عندما رفعه صياد الكتب معلنا شراءه بثلاثة آلاف دينار فقط.
كان عنوان الكتاب “طه حسين”، ومؤلفه هو الدكتور أحمد علبي. أعادني هذا الكتاب إلى نصف قرن للوراء، حينما كنت أنا أيضا صيادا ماهرا للكتب. كانت الغابة أصغر من وحشية غابة اليوم، وكانت الحيوانات أليفة والصيد فيها غير جائر، بل كان رياضة روحية مكتفية بذاتها ولذاتها.
تلك الأيام قرأت لأحمد علبي كتابا عن ثورة الزنج، وقادني علبي إلى مجموعة من الكتاب: محمد عيتاني ومحمد دكروب وعمر فاخوري ورئيف خوري وفيليب حتي وحسين مروة.
اختلفت مع صياد الكتب حول جنسية أحمد علبي، عندما قلت إنه فلسطيني، فيما قال عنه مصري. وفي النهاية، فأحمد علبي لبناني من أصل سوري، وبهذا ربما كنت أقرب من الصياد لتحديد هوية الصيد.
قبل هذا كنت في مشوار آخر. لست من رواد مقهى أم كلثوم، لكن ينتابني حنين في بعض الأيام فأقصدها بالذات، وهذا ما حصل بالأمس، عندما ذهبت إليها قبل بلوغي شارع المتنبي، ولما وصلتها وجدتها مغلقة.
في بابها يجلس بائع سجائر، ولما سألته عن سبب إغلاق المقهى، أجابني مثلما تفعل الـ”Answer Machine”:
المقهى مغلقة بسبب خلاف بين صاحب المقهى ومالك البناية.
كانت بقية المقاهي قليلة الرواد. هناك حدث ما، فيما كانت معاول البلدية تعمل بالقرب من سوق هرج، فالتحديث الذي بدأ بواجهات الدكاكين كشر عن أنيابه.
هناك هوية جديدة للمكان، وقبل هذه الهوية كان جمهور محدد قد شم هذه الرائحة، فأخذ بالحضور والتواجد. أما الجمهور القديم غير القادر على المنافسة، فانسحب معترفا بهزيمته حتى قبل بدء المنازلة.
بدوري، بالكاد شربت استكان شاي حامض، ووليت هاربا. هناك من يشبهني يفر مذعورا، فيما القادمون من الكوكب الآخر أخذوا بالهبوط أو الصعود أو التسلل.
أعرف هؤلاء رغم أنهم بلا ملامح. نساؤهم رجال ورجالهم يشيرون إلى حيوانات الغابة الجديدة أو الكوكب الغازي.
قلت في نفسي: هذا النظام لا يعمل لوحده. هناك متطوعون أو مؤمنون بهراءاته، ممسوخون بلا ملامح. كانوا أنفسهم المادة اللاصقة للنظام السابق، دبقون لا تحتمل خفتهم، عصيون على الهزيمة، ولا مجال أو حظ لنا بمنافستهم.
زخمهم وقوة دفعهم هما عصف التفاهة وانزياحها الساحق، فنجد أنفسنا (نتكتر) ليكونوا الجمهور والرصيف والشارع.
شعرت بالذعر، فوليت هاربا باتجاه جامع حسن باشا. بالقرب من رصيف كعك السيد، وتحت ظل مسروق، تبدد خوفي وانتبهت لنفسي.
وجدتني، أو انتبهت لأني، ومنذ فترة، لم أعد أمشي وحيدا رغم وحدتي، بل هناك شخص آخر أحاوره. على الأغلب نتبادل النكات فنضحك.
أكثر من هذا، مشيتي لم تعد هي نفسها، بل هي تحاكي مشيتين. أصابني الرعب عندما أدركت بأني أتقمص الآن شخصية أخي فوزي، رحمه الله. تختلط خطواتي الواثقة بخطوه المتعب الذي أثقله المرض أيامه الأخيرة.
وكنت أحاوره عندما أقابل وجها نعرفه معا وافتقدناه أو ظنناه ميتا. نصافح الأماكن التي قاومت عوادي الزمن، فنعيد امتلاكها.
تسمرت عند مقهى عارف أغا. كانت مضاربه يوما ما، ولم أدخلها غير مرة واحدة، كان هو من اصطحبني يومذاك.
ألفيت نفسي منحني القامة، كأني هو. ذعرت من فكرة لم أعرف كنهها أو أخشاها، ولما سمعت بحديث خالد الكتبي وكل ما حصل هذا الصباح، أدركت الفكرة المرعبة…
نحن ننقرض كبقايا سلالة آفلة خاسرة. أصابني الرعب أكثر، مخافة أن أكون آخر تمثلاتها.
كان الخوف من نوع آخر، قرينا لوحدة الموت، شبيها لحشرجات غريق.