مصرع صياد وراعي.. رؤية قانونية في مسؤولية الدول عن مقتل المدنيين على الحدود
عبدالستار رمضان
ينظم القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار الحدود بين الدول، وهي ليست مجرد خطوط ترسم على الخرائط، وإنما هي مناطق ومساحات مهمة ينظمها القانون الدولي والاتفاقات الدولية، مع الأخذ بنظر الاعتبار حقوق سكان المناطق الحدودية، من دون تفريط بالسيادة الوطنية والمسوؤلية المشتركة لحفظ الأمن ومراعاة مبادئ حقوق الإنسان والجوار.
مسؤولية دولية
عليه فإن أي اعتداء على المدنيين في المناطق الحدودية لا يمثل حادثًا عابرًا، بل يترتب عليه مسؤولية دولية وقانونية وسياسية واخلاقية.
إن مقتل صياد بصراوي بعد إطلاق نار من قبل خفر السواحل الكويتي، ومقتل راعٍ كردي من إطلاق نار قوات حرس الحدود الإيرانية والاستيلاء على الزوارق والأغنام وممتلكاتهم، يوجب ويستلزم إجراء تحقيق عادل وعاجل لتحديد الوقائع والمسؤوليات.
فالقانون الدولي لا يقوم على الاتهامات المجردة، بل على الأدلة والتحقيقات والإجراءات القانونية الواجبة. حيث يقرر ميثاق الأمم المتحدة أن العلاقات بين الدول يجب أن تقــــــــوم على السلم وحسن الجوار واحترام السيادة، وأن تُحل المنــــــــــازعات بالوسائل السلمية. ولا يمكن التوفيق بين هذه المبادئ وبين اللجوء إلى استخدام القوة المسلحة وقتل المدنيين بمجرد الاقتراب او الخطأ تجاوز المناطق الحدودية المشتركة، لأنهم أشخاص مدنيون خرجوا من اجل البحث عن أرزاقهم ولا توجد لهم مشاركة او دور في اي نشاطات مسلحة.
ان الشروط القانونية الصارمة التي يقرها القانون الدولي المنصوص عليها في المادة (6) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (لكل إنسان الحق الأصيل في الحياة ، ويجب حماية هذا الحق بموجب القانون. لا يجوز حرمان أي شخص من حياته تعسفاً)
وتأكيدلجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أن استخدام القوة المميتة من قبل سلطات إنفاذ القانون يجب أن يكون استثناءً لا قاعدة، وأن يقتصر على الحالات التي يكون فيها ذلك ضروريًا ومتناسبًا لحماية الأرواح.
كما تؤكد المبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون أن إطلاق النار بقصد القتل لا يجوز إلا عند الضرورة القصوى، وبعد استنفاد الوسائل الأقل ضررًا، مثل الإنذار، أو المطاردة، أو التوقيف، متى كانت تلك الوسائل كافية لتحقيق الغرض المشروع.
قوة مميتة
عليه فإن مجرد الاشتباه بتجاوز حدود بحرية أو برية، أو ارتكاب مخالفة حدودية، لا يبرر بذاته استخدام القوة المميتة. فالمبدأ الذي يحكم عمل سلطات إنفاذ القانون هو الضرورة والتناسب، وليس العقاب الفوري خارج نطاق القضاء.
كما ان الاستيلاء على زروق ومعدات الصيد وأغنام الراعي يترتب عليه مسؤولية قانونية مستقلة تتعلق بحماية الملكية الخاصة، وهي حماية كفلتها قواعد القانون الدولي، ولا يجوز المساس بها إلا وفقًا للقانون والإجراءات القضائية المتفق عليها بين الدول المتجاورة،
ان المسؤولية عن مثل هذه الأعمال التي تـــــــــكررت خلال السنوات القليلة الماضية والتب ما كانت تحدث او يتجرأ احد من جيران العراق على ارتــكابها قبل عام 2003، يترتب عليها مسؤولية مشتركة، على الدولة التي وقع الحادث من قبل أحد أجهزتها، وكذلك على الدولة العراقية وواجبها في حماية حياة مواطنيها وحقوقهم بكل الطـــــــــــرق والإمكانات و الوسائل الدبلوماسية والقانونية، والمطالبة بالتحقيق، وكشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، والسعي إلى منع تكرار مثل هذه الحوادث من خلال الاتفاقات الثنائية، وآليات التنسيق الحدودي، والاتفاق على توضيح وبيان القواعد الواجب تطبيقها في الحدود المشتركة.
ان مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليًاوعن أي فعل يُنسب إلى أجهزة الدولة ويخالف التزامًا دوليًا يرتب مسؤولية دولية، إذا ثبتت عناصر هذه المسؤولية وفقًا لقواعد القانون الدولي. وهي الالتزام بإجراء تحقيق ووقف الانتهاك وجبر الضرر، واتخاذ التدابير التي تضمن عدم تكراره.
إن أمن الحدود لا يتحقق بإطلاق النار على المدنيين، وإنما يتحقق بالتنسيق المشترك، واستخدام الوسائل التقنية الحديثة، وتبادل المعلومات، وتطوير آليات الاتصال المباشر بين القوات الحدودية، بما يحفظ السيادة ويصون الأرواح في آن واحد.
مقتل (الصياد والراعي) العراقيان المدنيان بسلاح قوات الحدود لدولتين جارتين هو جريمة جنائية واخلاقية وحدودية ودولية وسياسية تتطلب المتابعة والمسائلة ومعاقبة الجناة الحقيقين، من دون الاكتفاء ببيانات الشجب والاستنكار فدماء العراقيين يجب ان تجمعنا وتوحدنا كما جمعتنا ووحدتنا إجراءات الحكومة في مكافحة الفساد فالدم العراقي هو أغلى وأهم من كل شيى.
القاضي المدعي العام