الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بوكا.. أرض وراء الأسوار


بوكا.. أرض وراء الأسوار

شوقي كريم

 

في بوكا، لم يكن السور هو الشيء الأكثر ارتفاعًا.كان الصمت.في مكانٍ ما من جنوب العراق، خلف أسلاكٍ وأسوارٍ وأبوابٍ لا تُفتح لمن يطرقها، قامت أرضٌ لها شمس العراق نفسها، لكن شمسها كانت تدخل إليها بطريقةٍ أخرى.كان يمكن للنهار أن يبدأ هناك كما يبدأ في أي مكان.تطلع الشمس.

يتبدل الضوء.تتحرك الأبواب.يمر الحراس.تُحصى الوجوه.ثم يبدأ يومٌ جديد.لكن شيئًا واحدًا كان مختلفًا:

—لا أحد يعرف متى ينتهي يومه.

 اسم المكان بوكا.أسمّ صغير، لكنه اتسع بما يكفي ليبتلع سنواتٍ من أعمار رجالٍ لم يتخيلوا، قبل أن تعبر أقدامهم بوابته، أن هناك مكانًا يمكن للإنسان أن يفقد فيه معنى الوقت دون أن يفقد الساعة.دخلوا إليها بأسماءٍ وحكاياتٍ وبيوتٍ وأمهاتٍ وزوجاتٍ وأطفالٍ وأصدقاء.دخل بعضهم غاضبًا.وبعضهم خائفًا.وبعضهم وهو لا يفهم لماذا أصبح هنا.وبعضهم كان يعرف.لكن المعرفة نفسها لم تكن دائمًا تنقذ صاحبها من المجهول.

ثم أُغلقت البوابة.ومنذ تلك اللحظة، لم يعد العالم كما كان.في الخارج، كانت بغداد والبصرة والناصرية والقرى البعيدة تواصل حياتها؛ الأسواق تفتح، الأنهار تجري، الأطفال يكبرون، الأعراس تقام، الموتى يُدفنون، والسياسيون يتحدثون، والصحف تكتب.أما هنا…فهناك حياةٌ أخرى.حياةٌ لها قوانينها غير المكتوبة.

للجدار ذاكرة.

للباب صوت.

للحارس ظل.

وللنزيل عينان تتعلمان، مع الأيام، أن تريا ما لا تقوله الكلمات.

في بوكا، قد تصبح قطعة خبزٍ حدثًا.

ورسالةٌ قصيرة وطنًا كاملًا.وصورةٌ قديمة نافذةً إلى حياةٍ لم يعد صاحبها متأكدًا أنه سيعود إليها.

وقد تتحول جلسةٌ عابرة بين رجلين إلى صداقةٍ تنجو من السور، أو إلى عداوةٍ لا يعرف أحد أين بدأت.

هناك، حيث يتشابه الصباح مع الصباح، يصبح الاختلاف في التفاصيل.

من نظر إلى من.من صمت عندما كان ينبغي أن يتكلم.من قال جملةً  لايجب أن يقولها.ومن احتفظ بسرّه حتى صار السر أثقل من صاحبه.

لكن بوكا لم تكن ما يراه النزيل.كانت أيضًا ما لا يراه.الجانب الآخر من الباب.

الغرف التي لا تُروى تفاصيلها بسهولة.

الأسئلة التي تصل إلى السور ولا تعبره.

والحكايات التي خرجت من المكان ناقصة، أو خرجت مشوهة، أو لم تخرج أصلًا.وهنا تبدأ الرواية.لا من الباب الكبير.ولا من الاسم الرسمي.

بل من الشقوق الصغيرة في الجدار.

من الذاكرة حين تستعيد ما حاول الزمن دفنه.من رجلٍ يتذكر صوتًا لم يعرف يومها أنه سيطارده سنوات.

من وجهٍ يظهر في آخر النهار ثم يختفي.من سؤالٍ ظل معلقًا لأن أحدًا لم يجرؤ على طرحه.من حكايةٍ يقول صاحبها:—هذا ما حدث.!!

فيجيبه آخر:—لا… هذا ما استطعتَ أن تعرفه.

بين الجملتين تمتد أرض بوكا كلها.

هذه الرواية لا تدّعي أن كل ما وراء الأسوار يمكن أن يُروى.بعض الأماكن تقاوم الرواية.وبعض الأسرار لا تأتي إلى الورق إلا بعد أن تتخذ شكلًا آخر: —خوفًا، حلمًا، صمتًا، ارتباكًا، أو ذاكرةً تستيقظ في منتصف الليل.

لذلك فإن «بوكا، أرض وراء الأسوار» ليست محاولة لكتابة سيرة سجن.

إنها محاولة للاقتراب من أثره في الإنسان.ماذا يبقى من رجلٍ عاش طويلًا وهو ينتظر؟

ماذا يحدث لذاكرته حين تصبح الأيام متشابهة؟

هل يخرج الإنسان من السجن عندما تُفتح البوابة؟

أم أن هناك سجونًا لا تحتاج إلى جدران؟

وهل يمكن لمكانٍ أن ينتهي، بينما يواصل العيش داخل الذين مروا به؟

ربما لهذا السبب لا تبدأ الحكاية حين تُفتح أبواب بوكا.ولا تنتهي حين تُغلق.

الحكاية الحقيقية تقع في المسافة بين البابين.هناك، في تلك المسافة الضيقة، عاش أناسٌ كثيرون.ضحكوا أحيانًا.بكوا أحيانًا.تشاجروا.تصالحوا.

انتظروا.كذبوا.اعترفوا.اشتاقوا.وخافوا.وحاولوا، بكل ما تبقى لهم من قوة، أن يتذكروا أنهم كانوا بشرًا قبل أن يصبحوا أرقامًا خلف الأسوار.من هنا تأتي  الرواية.لا لتقول للمتلق

 

ي: هذه هي بوكا.بل لتضع أمامه مفتاحًا صغيرًا وتقول:—افتح الباب.ثم اتركه خلفك.

فالذي ستراه في الداخل ليس سجنًا فقط.إنها أرضٌ كاملة…أرضٌ وراء الأسوار.وأحيانًا، حين تعود من بعض الأراضي،تكتشف أن الأسوار لم تكن حولها.كانت معك.

أ


مشاهدات 29
الكاتب شوقي كريم
أضيف 2026/10/03 - 1:53 AM
آخر تحديث 2026/10/03 - 2:46 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 208 الشهر 3444 الكلي 16588613
الوقت الآن
السبت 2026/10/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير