الحوارات ذاكرة في (الزمان)
هدير الجبوري
لم أكن أفكر، وأنا أجلس أمام واحد من الفنانين أو الإعلاميين أو الرياضيين الذين التقيتهم عبر صفحات الزمان الدولية، أن تلك الأسئلة والأجوبة ستغادر يوما صفحات الجريدة لتستقر بين دفتي كتاب.
كنت أذهب إلى الحوار وفي ذهني شيء واحد: أن أقترب من الإنسان خلف الاسم، وأن أترك للمبدع فرصة أن يتحدث عن تجربته، وعن البدايات التي صنعت خطواته، وعن الأيام التي حملت له الفرح والتعب والنجاح والخسارة.
واليوم، بحمد الله وفضله، صدر عن دار نون نركال للنشر في الموصل كتابي الجديد:
«بعض ما قلته للزمان – الجزء الثاني
وهو امتداد للجزء الأول الذي حمل العنوان نفسه، ويضم مجموعة من الحوارات الصحفية التي أجريتها عبر سنوات عملي في جريدة الزمان الدولية، مع أسماء عراقية كبيرة في الفن والإعلام والرياضة.
وحين وضعت هذه الحوارات في كتاب، شعرت أنني لا أجمع نصوصا صحفية متفرقة، بقدر ما أجمع شيئا من الذاكرة العراقية.
في صفحات الكتاب أصوات أحبها العراقيون، ووجوه عاشت معها أجيال كاملة.
هناك رواد الأغنية العراقية، من بينهم حسين نعمة وفاضل عواد وسعدون جابر وحميد منصور وأمل خضير، كما التقيت من نجوم الأغنية في الثمانينيات والتسعينيات أحمد نعمة ومحمود أنور.
وفي فصل آخر، كانت لي لقاءات مع أسماء من عالم التمثيل والإخراج، بينهم محسن العلي، ميمون الخالدي، حسن حسني، عادل عثمان، هند كامل، إحسان دعدوش وصباح عطوان.
وكل واحد منهم جاء إلى الحوار حاملا تجربته وذاكرته ورؤيته للمشهد الفني العراقي.
أما الفصل الرابع، فقد اتسع ليضم تجارب مختلفة في الفنون، لأن الإبداع العراقي لم يكن يوماً محصورا في لون واحد. فهناك الموسيقى، والخط، والرسم، والنحت، والفنون الشعبية، والمسرح والغناء، من خلال لقاءات مع أسماء بينها شكر مرزوك العبيدي، نصير شمة، هناء عبدالله، خالد جبر، طلال صفاوي، وعد عبدالهادي، محمد المهدي، فريال العمري، عامر يونس، مها الحمودي، بان شكيب، ميادة الباجلان وفرح اليوسف.
وفي الإعلام، توقفت عند أصوات صنعت حضورها أمام الميكروفون والشاشة، من ليلى وجيه عبدالغني، ونوال محسن، وسحر الأصيل، وفرقد ملكو، إلى عاتكة الصابونجي وحمدية الراشدي، وكل واحدة منهن تحمل حكاية مختلفة مع المهنة ومع الزمن.
ولأن الرياضة جزء من ذاكرة العراقيين أيضا، كان لا بد أن يكون لها مكان في هذا الكتاب، من خلال حواري مع سعد عبدالحميد، لاعب المنتخب الوطني والمدرب، ومع عامرة الشماع، المدربة واللاعبة.
أما الفصل السابع، فقد جاء مختلفا، إذ ضم مجموعة من المقالات والموضوعات التي كتبتها في الفن والإعلام العراقي، وتناولت فيها أسماء وتجارب تركت أثرا في الذاكرة، منها نجاة الصغيرة ويوسف ذنون واعتقال الطائي وهديل كامل وحسين نعمة وسعدون جابر، فضلا عن موضوعات تناولت مسيرة سعدون جابر، ومنها «سعدون جابر بين الحقيقة والإساءة»، و«الدكتوراه بدرجة الشرف لسعدون جابر».
وأنا أعود اليوم إلى هذه الحوارات، أكتشف أن الصحافة لا تحفظ الخبر وحده، بل تحفظ الإنسان أيضا.
فالحوار الصحفي، في رأيي، ليس مجرد سؤال وجواب.
إنه محاولة للإنصات وأحيانا يكون السؤال مفتاحا لباب ظل مغلقا طويلا، وقد تكون إجابة واحدة كافية لأن نرى صاحبها بصورة مختلفة عما اعتدنا أن نراه بها على المسرح أو الشاشة أو خلف الميكروفون.
لهذا كنت حريصة، في حواراتي، على ألا أكتفي بالسؤال عن الأعمال والمشروعات والنجاحات، بل كنت أبحث عن البدايات، عن الأمكنة الأولى، عن الأشخاص الذين تركوا أثرا، وعن التفاصيل التي لا تظهر عادة في الأخبار.
وربما لهذا السبب بقيت هذه الحوارات قريبة مني حتى بعد مرور سنوات عليها.
الزمان بالنسبة لي ليست مجرد صحيفة عملت فيها سنوات، بل محطة مهمة في حياتي الصحفية. منها خرجت لقاءات كثيرة، ومنها تعرفت إلى تجارب وأصوات وشخصيات كان من الجميل أن أجلس إليها وأستمع.
وحين صدر الجزء الأول من «بعض ما قلته للزمان»، شعرت أنني أستعيد جزءا من تلك الرحلة. واليوم، مع صدور الجزء الثاني، أشعر أن الحكاية ما زالت مفتوحة، وأن في ذاكرة الصحافة العراقية أسماء كثيرة تستحق أن تُروى حكاياتها.
أهدي هذا الكتاب إلى كل من منحني وقته وثقته، وإلى كل فنان وإعلامي ورياضي التقيته وكان جزءا من هذه الصفحات.
وأهديه أيضا إلى الزمان، الصحيفة التي رافقت سنوات من تجربتي، وكانت صفحاتها شاهدة على كثير مما كتبته، وحاورته، وعشته في مهنة أحببتها وما زلت أرى فيها مساحة واسعة للإنسان قبل الخبر.
«بعض ما قلته للزمان – الجزء الثاني»…
قد يكون العنوان متواضعا أمام سنوات طويلة من العمل، لكنه يحمل بالنسبة لي معنى كبيرا: بعض ما قلته، وبعض ما سمعت، وبعض ما بقي في الذاكرة.
وما بقي في الذاكرة، يستحق أن يكون كتاباً…