الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
القوم یحاولون ذبح الحوار 

بواسطة azzaman

القوم یحاولون ذبح الحوار 

نبز شهرزوري

 

في قصة النبي صالح (عليه السلام)، واجه قومه ثمود، وهم قومٌ أشداء، ینحتون من الجبال بيوتًا ، وكانت قلوبهم أقسى من صخورها.

أما صالح، فكان يحمل في قلبه جبلاً من الهمّ، أثقل من جبال الحِجر الراسيات. ومع ذلك، واجه قومه بالدعوة واللين إلى التوحيد، وقدم لهم الناقة آيةً ومعجزة  إلا أنهم كذبوه وعقروا الناقة، فكانت عاقبتهم الهلاك.

لقد مرت شعوب كثيرة بمعاناةٍ شديدة ومخاضٍ عسيرٍ، في مواجهة أزماتٍ سياسية واقتصادية وأمنية قاسية، لكنها استطاعت في نهاية المطاف أن تتجاوز محنها وأن ترسم ملامح مستقبلها، حين أدركت أن الأوطان لا تُبنى بمنطق الغلبة، وإنما بمنطق التفاهم، وأن المصالح الوطنية الكبرى لا يمكن أن تكون رهينة للمصالح الضيقة. والعراق اليوم يقف أمام مرحلة حساسة من هذا النوع.

حين تصبح لغة الحوار مهددة، يصبح الخوف ليس من اختلاف الآراء، بل من أن يتحول الاختلاف إلى مواجهة، وأن يصبح السلاح هو اللغة البديلة عن الكلام.

فالحكومة الحالية، وهي تحمل تركة ثقيلة من الملفات المتراكمة، بحاجة أصلاً إلى أرضية مناسبة و مستقرة لإجراء المعالجات الجذرية، التي لم تجد الحكومات السابقة حلولاً جذرية لها، وبما تملك من قدرة محدودة، تحاول أن تؤدي مهمتها الأصعب وهي الحفاظ على سيادة وإعادة ترسيخ مفهوم  الدولة وإرادتها، في مواجهة رهطٍ من المخالفين!.

استقرار سياسي

وهنا تكمن الخشیة من ان یعید التاریخ نفسه، حین تدعو الحكومة قومها، بمعنى الحال: ياقوم من غیر حصر السلاح ما لكم بُدّ، فالاخرین یتربصون بنا. لكن نجد أن بعض القوم یحاولون عقر الناقة وذبح ابنها أي (الحُوار) أُسوةً بقوم ثمود ، مع أنها أنذرتهم ونهتهم ان یمسوها بسوء.

ثم تمهلهم حتى الثلاثين من أيلول المقبل، وكأنها تقول: ألا تعلوا علينا، وأتونا مسالمين.

فهل یاتری سوف تلقی هذه الدعوة آذاناً صاغية و قلوباً واعية ؟.

إن المجتمع العراقي قد سئم الحروب وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي.

فقد أصبح عدم الاستقرار واقعاً مريراً يعيشه العراقيون، «بشيبهم وشبابهم» ، ممن شهدوا عقوداً طويلة من الصراعات والأزمات. أما جيل الشباب، فقد تفتحت عيناه على واقعٍ من عدم الاستقرار، وعلى بحثٍ مستمر عن الأمان وفرص العيش الكريم.

لقد خلّفت الحروب والأزمات السياسية والاقتصادية المتعاقبة أثراً عميقاً في الوجدان المواطن العراقي، وتتجلى هذه المعاناة في استنزاف طاقات الشباب وطموحاتهم ومؤهلاتهم، الأمر الذي دفع كثيرين منهم إلى التفكير في الهجرة بحثاً عن مستقبل أفضل.

في المقابل، يحمل جيل الكبار إرثاً ثقيلاً من الأزمات والحصار والحروب؛ وهو ما يولّد لديهم رغبةً عارمة في رؤية وطنٍ آمن ومستقر، يضمن غداً أفــــــضل للأجيال القادمة.

رؤية وطنية

وبرغم كل هذه التحديات، يعود ملف حصر السلاح بيد الدولة إلى واجهة المشهد السياسي والأمني من جديد، في ظل غياب موقف واضح وحاسم من قبل رهطٍ من المخالفين، الذين يرون في سلاحهم الضمانة الأقوى لحماية مصالحهم السياسية، الاقتصادية.

مع أن حصر السلاح بيد الدولة لا ينتقص من كبرياء أحد، ولا يعني التقليل من شأن أي طرف أو مكوّن. فقوة الدولة هي قوة للجميع، وليس العكس. والدولة القوية ليست دولةً ضد أبنائها، بل دولة تحمي الجميع وتفرض القانون على الجميع.

والحوار للوصول إلى التفاهمات، وتعزيز الوحدة الوطنية، وإرساء السلام، يمثل رؤية وطنية حكيمة ودعوة صادقة لإعلاء المصلحة العليا على المصالح الضيقة و أهم من التمسك بالمصالح الشخصية أو الفئوية.

فالوطن الذي أنهكته الحروب لا يحتاج إلى معارك جديدة، بل يحتاج إلى عقلٍ سياسي يدرك أن قوة السلاح لا يمكن أن تكون بديلاً دائماً عن قوة الدولة، وأن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى صراع.

وتقول المقولة الشائعة: «عندما يكون الوطن مقبرةً للأحلام، يصبح الحلم الوحيد هو الرحيل، وأشد أنواع الغربة هي غربة الإنسان في وطنه

فهل سيقبل القوم بالحوار، ويفتحون الباب أمام التفاهم، أم سيلاحقون « الحُوار « لذبحه، أسوةً بقوم صالح؟

فبين الحوار والحُوار حرف واحدة، لكنها قد تكون، في السياسة، المسافة الفاصلة بين طريقين: طريق التفاهم وبناء الدولة، وطريق الصدام الذي لا يعرف أحد إلى أين ينتهي.

 


مشاهدات 30
الكاتب نبز شهرزوري
أضيف 2026/09/20 - 3:34 PM
آخر تحديث 2026/09/21 - 12:05 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 13 الشهر 34855 الكلي 16567375
الوقت الآن
الإثنين 2026/9/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير