إمكانية ولادة مشروع تحالف عسكري
الأمن القومي العربي ما بعد الحرب الأمريكية – الإيرانية
احمد فكاك البدراني
تشهد منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر مراحلها اضطراباً منذ نهاية الحرب الباردة، فقد أعادت المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، وما رافقها من اتساع دائرة الاستهدافات المتبادلة، طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: هل يستطيع العرب بناء منظومة أمن جماعي مستقلة، أم سيبقون معتمدين على المظلة الأمنية الخارجية؟
وفي حال تعرضت دول عربية، مثل الكويت والبحرين، لضربات عسكرية ضمن سياق الحرب الإقليمية، فإن ذلك يمثل تحولاً استراتيجياً بالغ الخطورة، لأنه يعني أن الأمن العربي لم يعد يُهدد عبر الحروب بالوكالة فقط، بل أصبح جزءاً مباشراً من ساحات الاشتباك بين القوى الدولية والإقليمية. وفي مثل هذا المشهد، قد يصبح التفكير في إنشاء تحالف عسكري عربي ضرورة استراتيجية، لا مجرد مشروع سياسي مؤجل.
أولاً: لماذا قد تصبح اللحظة الحالية مناسبة؟
طوال العقود الماضية فشلت معظم المشاريع الدفاعية العربية لأسباب سياسية أكثر منها عسكرية، وكان أبرزها:
* تضارب المصالح بين الأنظمة.
* اختلاف تعريف مصادر التهديد.
* الاعتماد الكبير على الولايات المتحدة.
الانقسامات العربية المزمنة
لكن الحرب الأخيرة أوجدت معطيات جديدة.
فقد اكتشفت غالبية العواصم العربية أن:
* المظلة الأمريكية ليست ضمانة مطلقة.
* الصواريخ والطائرات المسيّرة تستطيع تجاوز أنظمة الدفاع التقليدية.
* أمن الخليج لم يعد قضية خليجية فقط، وإنما قضية عربية شاملة.
* أي حرب إقليمية ستصيب الاقتصاد العربي كله.
وهذه المتغيرات قد تدفع لأول مرة إلى التفكير بمنظور الأمن العربي المشترك، وليس أمن كل دولة منفردة.
ثانياً: الدوافع الحقيقية لإنشاء التحالف
يمكن تلخيصها بخمسة دوافع رئيسية.
1- الردع الجماعي
الدول الصغيرة يصعب عليها منفردة مواجهة التهديدات الإقليمية.
أما إذا أصبحت أي دولة عربية تعني تلقائياً مواجهة مع تحالف عربي كامل، فإن معادلة الردع ستتغير جذرياً.
2- تقليل الاعتماد على القوات الأجنبية:
الحرب الأخيرة أظهرت أن الأولويات الأمريكية قد تختلف عن الأولويات العربية.
ولهذا فإن وجود قوة عربية جاهزة يمنح العرب مساحة أكبر في اتخاذ القرار السيادي.
3- حماية طرق الطاقة:
الخليج العربي والبحر الأحمر وقناة السويس وباب المندب تمثل شرايين الاقتصاد العالمي.
وأي اضطراب فيها ينعكس مباشرة على الاقتصاد العربي.
4- مكافحة التهديدات غير التقليدية
لم تعد الحروب تعتمد فقط على الجيوش.
بل تشمل:
* المسيّرات.
* الحرب السيبرانية.
* الذكاء الاصطناعي.
* الصواريخ الدقيقة.
* الحرب الإعلامية.
وهذه التهديدات تحتاج إلى قيادة موحدة.
5- منع تحويل الدول العربية إلى ساحات تصفية حسابات
وهو الهدف الأهم.
ثالثاً: من سيكون رأس الرمح العربي؟
إذا ولد مشروع عسكري عربي جديد، فمن المرجح ألا يكون نسخة عن جامعة الدول العربية، وإنما سيكون أقرب إلى تحالف الراغبين (Coalition of the Willing)، يضم الدول الأكثر استعداداً سياسياً وعسكرياً.
ومن الناحية الواقعية، يمكن تصور عدة سيناريوهات.
السيناريو الأول
السعودية
تمتلك:
* أكبر اقتصاد عربي.
* أكبر ميزانية دفاع.
* ثقل ديني وسياسي.
* مشروعاً استراتيجياً بعيد المدى.
ولهذا ستكون المرشح الأول لقيادة المشروع سياسياً.
السيناريو الثاني
مصر
تمثل:
* أكبر جيش عربي عدداً.
* خبرة قتالية واسعة.
* موقعاً استراتيجياً.
* صناعة عسكرية متنامية.
ولذلك ستكون العمود العسكري الرئيسي.
السيناريو الثالث
الإمارات
ستقود جانباً مهماً يتعلق بـ:
* التكنولوجيا العسكرية.
* الصناعات الدفاعية.
* الذكاء الاصطناعي.
* القوات الخاصة.
السيناريو الرابع
الأردن
سيكون مركزاً للتدريب والقيادة والسيطرة.
فالجيش الأردني يمتلك خبرة عالية في العمليات الخاصة.
السيناريو الخامس
العراق
وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية.
إذا نجح العراق في استكمال بناء مؤسساته العسكرية وتعزيز احتكار الدولة للسلاح، فإنه يمتلك مؤهلات تجعله أحد أهم أركان أي منظومة أمن عربية، وذلك لعدة أسباب:
* موقعه الجغرافي الذي يربط الخليج ببلاد الشام.
* خبرته العسكرية التاريخية.
* موارده البشرية الكبيرة.
* قدراته الاقتصادية المحتملة.
* دوره كخط تماس مع التهديدات الإقليمية.
لكن هذا الدور يبقى مشروطاً باستقرار الداخل العراقي وبناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة.
رابعاً: هل يمكن أن تكون دول الخليج وحدها رأس الرمح؟
الجواب على الأرجح: لا.
فالتحالفات العسكرية الكبرى تحتاج إلى توازن بين:
* القوة الاقتصادية.
* الكتلة البشرية.
* العمق الجغرافي.
* القدرات الصناعية.
* الخبرة القتالية.
تحالف متوقع
ولذلك فإن أي مشروع ناجح سيكون تحالفاً بين الخليج والمشرق العربي، لا مشروعاً خليجياً خالصاً.
خامساً: شكل التحالف المتوقع
لن يكون شبيهاً بحلف الناتو بالكامل.
بل ربما يتكون من:
* مجلس دفاع أعلى.
* قيادة عسكرية مشتركة.
* مركز إنذار مبكر.
* قيادة دفاع جوي وصاروخي موحدة.
* قيادة للحرب السيبرانية.
* قوات تدخل سريع.
* صناعات دفاعية عربية مشتركة.
* صندوق تمويل دفاعي عربي.
سادساً: ما الدول المرشحة للانضمام منذ البداية؟
يمكن تصور نواة أولى تضم:
* السعودية.
* مصر.
* الإمارات.
* الأردن.
* البحرين.
* الكويت.
* قطر.
* سلطنة عُمان.
ثم قد تنضم لاحقاً:
* العراق (بحسب ظروفه الداخلية).
* المغرب.
* الجزائر إذا توفرت أرضية سياسية مناسبة.
سابعاً: العقبات:
رغم وجاهة الفكرة، فإن تنفيذها يواجه تحديات كبيرة، منها:
* تباين تقييم الدول العربية لمصادر التهديد.
* اختلاف العقائد العسكرية والتسليح.
* تداخل العلاقات مع القوى الدولية.
* الكلفة المالية لبناء منظومة دفاع متكاملة.
* الحاجة إلى توافق سياسي طويل الأمد.
ثامناً: من سيكون رأس الرمح العربي المشرقي الجديد؟
إذا استمرت التحولات الحالية، فقد يتشكل محور مشرقي جديد يقوم على توزيع للأدوار أكثر من قيامه على قيادة منفردة:
* السعودية: القيادة السياسية والتمويل الاستراتيجي.
* مصر: الثقل العسكري البشري والعملياتي.
* الإمارات: التكنولوجيا والصناعات الدفاعية.
* الأردن: التدريب والقيادة والعمليات الخاصة.
* العراق: العمق الجغرافي والدفاع المتقدم، إذا اكتملت عملية بناء الدولة واحتكارها للقوة.
وبهذا المعنى، قد لا يكون “رأس الرمح” دولة واحدة، بل محوراً عربياً مشتركاً يجمع بين القدرات الاقتصادية والعسكرية والجغرافية.
الأدوار الاستراتيجية:
إذا افترضنا نشوء تحالف عسكري عربي جديد هدفه حماية الأمن القومي العربي، فإن نجاحه لن يعتمد على وجود دولة قائد فقط، بل على توزيع واضح للأدوار الاستراتيجية وفقاً للإمكانات الجغرافية والعسكرية والاقتصادية لكل دولة. وفي هذا الإطار يمكن تصور الأدوار الآتية:
أولاً: سوريا… بوابة المشرق وخط الدفاع الشمالي:
إذا تمكنت سوريا من استعادة استقرارها الداخلي وإعادة بناء مؤسساتها العسكرية، فإنها ستكون مسؤولة عن:
* حماية الجبهة الشمالية للمشرق العربي.
* تأمين الحدود مع تركيا والعراق ولبنان.
* استضافة قواعد للإنذار المبكر والدفاع الجوي.
* إعادة بناء جيش نظامي قادر على العمل ضمن عقيدة دفاعية عربية مشتركة.
* مكافحة التنظيمات المسلحة العابرة للحدود.
كما أن الموقع السوري يمنح أي تحالف عربي عمقاً استراتيجياً يصل الخليج بالبحر المتوسط.
ثانياً: الأردن… مركز القيادة والعمليات
يمتلك الأردن خبرة كبيرة في التدريب العسكري والعمليات الخاصة، لذلك يمكن أن يتولى:
* قيادة القوات الخاصة العربية.
* إنشاء مركز القيادة والسيطرة المشترك.
* إدارة مراكز التدريب والتخطيط الاستراتيجي.
* التنسيق الاستخباري بين الجيوش العربية.
* حماية الجبهة الشرقية لفلسطين والجنوبية لسوريا.
وبفضل موقعه الجغرافي وعلاقاته المتوازنة، قد يكون الأردن حلقة الوصل بين المشرق والخليج.
ثالثاً: قطر… مركز التكنولوجيا والاستخبارات
يمكن لقطر أن تضطلع بدور يتجاوز حجمها الجغرافي، من خلال:
* الاستثمار في تقنيات الدفاع الحديثة.
* تطوير منظومات الحرب الإلكترونية.
* تمويل برامج الذكاء الاصطناعي العسكري.
* إنشاء مراكز متقدمة للأمن السيبراني.
* المساهمة في تمويل الصناعات الدفاعية العربية المشتركة.
ويمكن أن تصبح الدوحة مقراً لمركز عربي للفضاء والاستطلاع بالأقمار الصناعية.
رابعاً: الكويت… قاعدة الإسناد اللوجستي:
بحكم موقعها بين العراق والخليج، تستطيع الكويت أن تكون:
* مركز الإمداد اللوجستي.
* مخزناً استراتيجياً للوقود والذخائر.
* عقدة للنقل العسكري البري والبحري.
* مركزاً لإدارة الأزمات والإغاثة الإنسانية زمن الحروب.
كما أن إعادة بناء منظومة الدفاع المدني وحماية المنشآت النفطية ستكون من أولوياتها.
خامساً: البحرين… درع الأمن البحري.
رغم صغر مساحتها، فإن البحرين تقع في قلب الخليج العربي، ويمكن أن تتولى:
* مراقبة الممرات البحرية.
* دعم عمليات الأمن البحري.
* المشاركة في قيادة قوات خفر السواحل العربية.
* تأمين البنية التحتية للطاقة وخطوط الملاحة.
كما يمكن أن تصبح مركزاً للتنسيق البحري بين دول الخليج.
سادساً: الإمارات… الذراع الصناعية والتكنولوجية:
تمتلك الإمارات قاعدة صناعية دفاعية متقدمة نسبياً، ويمكن أن تكون مسؤولة عن:
* توطين الصناعات العسكرية العربية.
* إنتاج الطائرات المسيّرة والمنظومات غير المأهولة.
* تطوير أنظمة الدفاع الجوي.
* إنشاء شركات عربية مشتركة للصناعات الدفاعية.
* الاستثمار في تقنيات الفضاء والذكاء الاصطناعي العسكري.
كما تستطيع أن تقود مشروعاً عربياً للتصنيع العسكري يقلل الاعتماد على الموردين الخارجيين.
تكامل الأدوار:
إذا جُمعت هذه القدرات ضمن رؤية استراتيجية واحدة، فقد يتشكل هيكل متكامل على النحو الآتي، وكما اشرنا في متن هذا المقال من قبل..
* السعودية: القيادة السياسية والتمويل الاستراتيجي.
* مصر: القوة البرية والقدرة البشرية والعقيدة القتالية.
* العراق: العمق الاستراتيجي للمشرق والربط بين الخليج وبلاد الشام، متى استكمل بناء مؤسساته الأمنية واحتكار الدولة للقوة.
* سوريا: الدفاع عن الجبهة الشمالية للمشرق بعد استقرارها وإعادة بناء مؤسساتها.
* الأردن: القيادة والسيطرة والتدريب والعمليات الخاصة.
* الإمارات: التصنيع العسكري والتكنولوجيا.
* قطر: الأمن السيبراني والاستخبارات التقنية والتمويل البحثي.
* الكويت: الإسناد اللوجستي وحماية البنية النفطية.
* البحرين: الأمن البحري ومراقبة الخليج.
* سلطنة عُمان: تأمين مدخل بحر العرب ومضيق هرمز من الجهة الجنوبية، والوساطة الاستراتيجية عند الأزمات.
الرؤية المستقبلية:
إن نجاح مثل هذا التحالف لا يتوقف على شراء مزيد من الأسلحة، بل على الانتقال من مفهوم الدفاع الوطني المنفرد إلى مفهوم الأمن العربي الجماعي، بحيث تصبح أي دولة عربية تتعرض لاعتداء جزءاً من مسؤولية أمنية مشتركة. وهذا يستلزم توحيد العقيدة العسكرية، وتبادل المعلومات الاستخبارية، وربط أنظمة الدفاع الجوي والبحري، وإنشاء صناعات دفاعية عربية، وإقرار آليات واضحة لاتخاذ القرار المشترك.
ومع ذلك، يبقى هذا التصور سيناريوً استراتيجياً محتملاً وليس توقعاً مؤكداً. فإمكانية تحققه ستعتمد على درجة التوافق السياسي بين الدول العربية، وطبيعة التهديدات المستقبلية، واستعداد الدول للتنازل عن جزء من استقلالية القرار العسكري لصالح منظومة أمن جماعي أكثر تكاملاً.
إن أي استهداف مباشر لدول عربية في سياق صراع إقليمي واسع يمكن أن يعزز الدعوات إلى إعادة النظر في بنية الأمن القومي العربي. غير أن نجاح مشروع تحالف عسكري عربي لن يتوقف على حجم الإنفاق العسكري وحده، بل على توافر إرادة سياسية مشتركة، ووضوح في تحديد مصادر التهديد، وبناء مؤسسات قيادة وتنسيق فعّالة.
ولا ينبغي النظر إلى هذا المشروع بوصفه نتيجة حتمية للحرب أو مساراً مؤكداً، بل باعتباره أحد الاحتمالات التي قد تزداد فرصها إذا خلصت الدول العربية إلى أن الاعتماد الحصري على الضمانات الخارجية لم يعد كافياً لضمان أمنها الجماعي. وفي هذه الحالة، قد تدخل المنطقة مرحلة جديدة يكون فيها الأمن العربي مسؤولية عربية بدرجة أكبر مما كان عليه في العقود الماضية.