دماثة الخلق .. رأس مالٍ لا ينضب
زيد الصدر
في ميزان الشرف الإنساني قلّ أن يزن شيءٌ في تقويم المرء كما تزن دماثة الخلق؛ هي اللسان الذي يخاطب القلوب قبل الآذان، والمفتاح الذهبي الذي تُفتح به أعصى الأقفال. ولئن كانت الثروة طيناً يُبنى ثم يزول، فإنّ حسن الخلق يبني في النفوس مجداً لا يبليه الدهر. وقد صار للاخلاق اليوم سندٌ في علمٍ حديث اسمه «علم الاجتماع الأخلاقي»؛ حقلٌ نبّه الباحثون إلى إحيائه بعد فتور طويل. اذ يدعو عالِما الاجتماع ستيفن هتلن (Steven Hitlin) وستيفن فيزي (Stephen Vaisey) في مراجعتهما «علم الاجتماع الأخلاقي الجديد» إلى إعادة الأخلاق إلى صميم البحث السوسيولوجي، على أساس أنها فعلٌ يُصنع بين الناس ويصنع تماسكهم، لا شعورٌ فرديّ يسكن الصدر وحده.
قال ربّنا لنبيّه: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، وقال النبيّ (ص): «إنّما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخلاقِ». جعل الدين الخلق عصب الرسالة، ويقرأ العلم في هذا الاختيار حكمةً اجتماعية بالغة: الحضارات لا تُقاس بشموخ قصورها ولا بمدفون كنوزها، بل بجودة السلوك الذي يجمع أبناءها. وليس اتفاقاً أن يعرّف الإمام الصادق (ع) حدّ حسن الخلق بثلاثٍ عمليّة صرفة: «تُلِينُ جَناَبَكَ، وَتُطِيبُ كَلامَكَ، وَتَلْقَى أَخاكَ بِبِشْرٍ حَسَنٍ». فهذه ليست مواعظ في التجريد، بل وصفٌ دقيق لما يجري في كل لقاء بين وجهين.
واللقاء طقسٌ لا مجاملة عابرة، هنا يطلّ إرفنغ غوفمان (Erving Goffman). عالِم الاجتماع هذا نظر في كتابه «طقس التفاعل» إلى أصغر تفاصيل حياتنا: النظرة، التحية، الابتسامة، الاعتذار، فرأى فيها طقوساً صغيرة نحمي بها ماء وجه بعضنا بعضاً. الإنسان في كل مجلس يعرض «وجهاً» يريد أن يُصان، والدماثة هي المهارة التي تحفظ وجهه ووجه محدّثه معاً. ويذهب غوفمان إلى أنّ ما نسمّيه أحياناً حركاتٍ فارغة من المعنى «هو ربّما أكمل الأشياء امتلاءً» (Goffman, 1967, p. 91). كلامٌ يكاد يكون شرحاً لِـ«بِشْرِ» الإمام الصادق و«طِيب الكلام»: التحية الطيبة ليست فضلة زائدة، بل عمود الانتظام الذي لولاه لصار التعامل بين الناس فوضى لا تُحتمل.
ويكمل رندل كولنز (Randall Collins) الصورة في «سلاسل طقوس التفاعل»؛ إذ يرى أنّ اللقاء الناجح يولّد ما يسمّيه «الطاقة الانفعالية» ويصنع تضامناً بين المتلاقين، بينما اللقاء الفاشل يستنزف الطاقة ويبدّد الألفة. فحين يلقى المرء أخاه بوجهٍ طلق فإنه، بلغة العلم، يشحنه بطاقةٍ تجعله أقدر على العطاء وأميل إلى المبادلة بالحسنى.
فالإحسان دَينٌ يدور والسوق تقوم على الثقة، وبيتُ أبي الفتح البستي الشهير يختصر قانوناً اجتماعياً عميقاً: «أَحْسِنْ إِلَى النَّاسِ تَسْتَعْبِدْ قُلُوبَهُمُ… طَالَمَا اسْتَعْبَدَ الإِنْسَانَ إِحْسَانُ». هذا بعينه ما وصفه مارسيل موس (Marcel Mauss) في دراسته «الهبة»؛ إذ بيّن أنّ العطية ليست مجانية أبداً، فهي تُنشئ ثلاث واجبات متلازمة: أن تُعطي، وأن تَقبل، وأن تردّ. الإحسان يفتح دورةً من المبادلة تربط الناس برباطٍ دائم من العرفان والالتزام المتبادل. «يستعبد» البستي هي «الالتزام بالردّ» عند موس، حرفاً بحرف.
ومن الأسرة إلى السوق يمتدّ القانون نفسه. قال النبيّ (ص): «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ السَّهْلَ الطَّلْقَ، سَمْحاً بَيْعاً، سَمْحاً شِرَاءً». والسماحة في المعاملة رأس مالٍ اقتصادي بالمعنى الحرفي؛ فقد بيّن روبرت بوتنام (Robert Putnam) في «البولينغ منفرداً» أنّ شبكات الثقة وأعراف المعاملة بالمثل تخفّض كلفة التعاملات وتجعل المجتمع أكفأ من مجتمعٍ يسوده الحذر. التاجر السمح يراكم ثقةً، والثقة تختصر العقود والضمانات والنزاعات، فتجري بها المصالح مجرى الماء.
بينما ثمنُ الفظاظة يُدفع نقداً، ففي المقابل، للجفاء فاتورة يمكن عدّها. رصدت كريستين بوراث (Christine Porath) وكريستين بيرسون (Christine Pearson) في مقالهما «ثمن الفظاظة» استطلاعاً شمل 800 مديرٍ وموظفٍ في سبعة عشر قطاعاً، فوجدتا أنّ من تعرّضوا لسوء المعاملة تصرّفوا هكذا: 48 بالمئة خفّضوا جهدهم في العمل عمداً، و47 بالمئة قلّلوا وقت عملهم، و38بالمئة أنقصوا جودة عملهم قصداً، وتراجع التزام 78 بالمئة منهم لمؤسّساتهم، وهبط أداء 66 بالمئة واعترف 25 بالمئة بتفريغ إحباطهم على الزبائن، وترك 12بالمئة وظائفهم بسبب المعاملة الفظّة، بينما أهدر 80 بالمئة وقت عملٍ وهم يجترّون الإهانة قلقاً. الوقاحة تُهدر الإنتاج والولاء والعملاء دفعةً واحدة، بكلفةٍ قدّرت بوراث أنها تناهز أربعة عشر ألف دولارٍ عن كل موظفٍ في العام.
وهنا يتجلّى صدق قول الإمام الصادق (ع): «إِنَّ المَبْرَّةَ وَحُسْنَ الخُلُقِ يَعْمُرانِ الدِّيارَ وَيَزِيدانِ في الأَعْمارِ». «زيادة الأعمار» لم تعد مجازاً؛ فقد خلص تحليلٌ ضخم أشرفت عليه جوليان هولت-لونستاد (Julianne Holt-Lunstad) جمع 148 دراسة و308,849 مشاركاً إلى أنّ متانة العلاقات الاجتماعية ترفع احتمال البقاء على قيد الحياة بنحو 50بالمئة بقوّة تضاهي أثر الإقلاع عن التدخين. وأمّا «عمارة الديار» فهي عين ما يقوله أمير المؤمنين (ع): «بِحُسْنِ الأَخْلاقِ تَطِيبُ العَيْشَةُ».
سلطانٌ يلين وقلبٌ يتّسع، يتجسد ذلك في أرقى صور الدماثة تظهر حين تملك القوة وتختار الرفق. في عهده لمالك الأشتر يوصي الإمام عليّ (ع): «وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ… فَإِنَّهُمْ صِنْفانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، أَوْ نَظِيرٌ لَكَ فِي الخَلْقِ». هذا ضبطٌ للنفس عند ذروة السلطة، وهو جوهر ما درسه نوربرت إلياس (Norbert Elias) في «سيرورة التحضّر»؛ إذ بيّن أنّ ما نسمّيه تمدّناً إنما هو ارتفاعٌ تدريجي في عتبة الحياء وكبحٌ متزايد للاندفاع، تحوّل من قهرٍ خارجي إلى انضباطٍ داخلي يصير طبعاً.
وفي فتح مكة، حين قدر النبيّ (ص) على خصومه، قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». وحين واجه الإمام الحسنَ (ع) رجلٌ شاميّ بالشتم، ردّ عليه باللين: «أَيُّهَا الشَّيْخُ، أَظُنُّكَ غَرِيباً… فَلَوْ اسْتَعْتَبْتَنا أَعْتَبْناكَ، وَلَوْ سَأَلْتَنا أَعْطَيْناكَ». هذا هو «حفظ الوجه» في أنبل صوره: حفظ وجه الخصم قبل الصديق. والرفق حين يقابَل به العنف لا يقف عند صاحبه؛ فقد صاغ نيكولاس كريستاكيس (Nicholas Christakis) وجيمس فاولر (James Fowler) قاعدة «الدرجات الثلاث للتأثير»، ومفادها أنّ ما نفعله يتموّج في شبكتنا فيبلغ الصديق، وصديق الصديق، وصديق صديق الصديق ممّن لا نعرفه. كرمُ الحسن مع الشاميّ لم يكن موقفاً معزولاً، بل حجراً أُلقي في ماء المجتمع، تتّسع دوائره حتى تبلغ من لم يشهد الحادثة أصلاً.
وليست هذه المهارات فطرة نولد بها كاملة، بل تُكتسب وتُعلَّم. رأى إميل دوركهايم (Émile Durkheim) في «التربية الأخلاقية» أنّ المدرسة موضعٌ لغرس الانضباط والتعلّق بالجماعة، وأنّ الأخلاق مصدرها المجتمع لا الفرد وحده. وجمع بيير فورني (P. M. Forni) في «اختيار الكياسة» خمساً وعشرين قاعدة عملية للعِشرة الحسنة، مؤكداً أنّ التحية اعترافٌ بكرامة الآخر لمجرّد كونه إنساناً. أمّا جورج زيمل (Georg Simmel) فرأى في «اجتماعية المعاشرة» أنّ في كل تجمّعٍ إنسانيّ رصيداً من الأنس المتبادَل يُطلب لذاته، لا لغرضٍ من ورائه.
خلاصة القول إنّ الدماثة ليست نافلةً يتزيّن بها القويّ في فراغه، بل ضرورة اجتماعية وواجب إنساني: هي الأسمنت الخفيّ الذي يشدّ لبنات المجتمع، والرصيد الذي كلّما أنفقتَ منه زاد. وصدق البستي: «وَأَقْبِلْ عَلَى النَّفْسِ وَاسْتَكْمِلْ فَضَائِلَهَا… فَأَنْتَ بِالنَّفْسِ لا بِالْجِسْمِ إِنْسَانُ».