شخصيات عربية في الذاكرة.. محمد حسن الجندي
فارس الفن المغربي يحمل ملامح وطنه
صالح رضا
في ذاكرة الفن العربي وجوه لا تمر عابرة لأنها تترك في الوجدان صوتاً وصورة وحضوراً يصعب نسيانه. ومن هذه الوجوه الفنان المغربي محمد حسن الجنــــدي الـــــــذي استطاع أن يجعل من المسرح والسينما والإذاعة والتلفزيون فضاءات متعددة لفن واحد عنوانه الثقافة واللغة وقوة الأداء.
ولد محمد حسن الجندي في مدينة مراكش سنة 1938 ونشأ في بيئة ارتبطت بالعلم والتراث واللغة العربية. ومنذ سنواته الأولى انجذب إلى المسرح فبدأ تجربته من مسرح الهواة في مراكش قبل أن يلتحق بالإذاعة الوطنية في الرباط سنة 1958 لتبدأ رحلة طويلة مع الفن والتمثيل والتأليف والإخراج. لم يكن الجندي ممثلاً بالمعنى التقليدي فقد امتلك صوتاً قوياً وحضوراً خاصاً وقدرة لافتة على أداء الشخصيات التاريخية حتى أصبح واحداً من أبرز أعمدة المسرح المغربي ورواد الحركة الفنية والثقافية في بلاده. كما ترك بصمة مهمة في الإذاعة وأسهم من خلالها في نقل التراث المغربي إلى جمهور واسع وعمل في سبعينيات القرن الماضي في هيئة الإذاعة البريطانية في لندن معداً ومقدماً لبرنامج كشكول المغرب.
لكن شهرته العربية الواسعة ارتبطت بصورة خاصة بالسينما التاريخية. ففي فيلم الرسالة للمخرج مصطفى العقاد قدم شخصية أبي جهل في النسخة العربية فكان أداؤه شديد القوة حتى أصبحت الشخصية مرتبطة في ذاكرة المشاهد العربي بصوته وملامحه وحضوره الطاغي. كما أدى في الفيلم نفسه شخصية كسرى في النسخة الإنجليزية بحسب المصادر التي تناولت تجربته.
ثقل درامي
ثم جاء دوره في فيلم القادسية للمخرج صلاح أبو سيف حيث أدى شخصية رستم فرخزاد قائد الجيش الفارسي ليؤكد مرة أخرى قدرته على حمل الشخصيات التاريخية الكبيرة ومنحها ثقلاً درامياً خاصاً. وفي التلفزيون توالت أدواره المهمة فظهر في صقر قريش بدور الأمير يوسف الفهري وشارك في آخر الفرسان والخنساء وفارس بني مروان والطارق كما أدى شخصية عتبة بن ربيعة في مسلسل عمر. وكانت اللغة العربية الفصيحة والصوت العميق والأداء المتزن من أبرز أدواته في هذه الأعمال. وإلى جانب التمثيل خاض الجندي تجربة التأليف والإخراج والإنتاج وأسّس شركة للإنتاج الفني وقدم أعمالاً مسرحية وتلفزيونية كما تولى رئاسة مندوبية الثقافة الجهوية في مراكش بين عامي 1992 و1999 وعمل محاضراً في مادة الإلقاء بالمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي. وكان حضوره الفني يتجاوز حدود المغرب فقد أصبح واحداً من الفنانين الذين صنعوا جسراً حقيقياً بين المشرق والمغرب. لم يكن بحاجة إلى تغيير هويته المغربية كي يصل إلى الجمهور العربي بل حمل معه صوته ولغته وثقافته وتركها حاضرة في أعمال عربية واسعة الانتشار.
وحظي الجندي خلال حياته بعدد من التكريمات والأوسمة من بينها وسام الثقافة من جمهورية الصين الشعبية ووسام عملة باريس من معهد العالم العربي بباريس عام 1999 كما كان من أوائل المكرمين من الفنانين المغاربة في مهرجان مراكش الدولي للفيلم وحصل على نجمة مراكش إضافة إلى تكريمات أخرى في مهرجانات مغربية. وفي عام 2014 تعرض منزله لحريق بسبب تماس كهربائي وأدى الحريق إلى إتلاف جزء كبير من جوائزه وشهاداته الفنية العربية والدولية في حادثة مؤلمة اختصرت شيئاً من قسوة الزمن على ذاكرة الفنان. رحل الجندي في مراكش يوم 25 شباط فبراير 2017 بعد مسيرة امتدت عقوداً لكنه لم يرحل من ذاكرة المشاهد العربي.
بقي أبو جهل في الرسالة وبقي رستم في القادسية وبقيت شخصياته التاريخية شاهدة على زمن كان فيه الممثل يحمل مسؤوليته تجاه الكلمة والصوت والصورة معاً.
الجندي لم يكن مجرد ممثل مغربي ظهر في أعمال عربية بل كان واحداً من أولئك الفنانين الذين جعلوا الفن لغة مشتركة بين أبناء الوطن العربي. ولذلك فإن رسم وجهه اليوم ليس استعادة لصورة فنان راحل فحسب بل استعادة لمرحلة من الفن العربي كان فيها للصوت هيبته وللكلمة وزنها وللممثل حضوره الذي لا يحتاج إلى ضجيج كي يبقى.
محمد حسن الجندي... وجه مغربي حمل ملامح وطنه وعبر بها إلى الذاكرة العربية.