بيوتٌ من طمأنينة
إبراهيم المحجوب
ربما يجد القارئ أنَّ معظم ما أكتبه يتناول الريف، وربما يرى في ذلك تكرارًا يدفعه أحيانًا إلى عدم إعادة القراءة. غير أنني أود هنا أن أوضح أن كل ما أكتبه، سواء كان مقالات أدبية أو ثقافية، أو شعرًا شعبيًا (نبطيًا)، إنما ينبع من وجدان إنسانٍ عاش الريف، وتأقلم مع الحياة الريفية، ووجد فيها لذّةً ومتعةً لا تُنسى.
نحن أبناء الطبقات الريفية، الذين عاشوا طفولتهم في تلك القرى الطينية، وسط أجواء الطبيعة التي لم تكن قسوتها أقل من جمالها وسحرها. كيف لا، وقد تعلّمت أجسادنا التأقلم تحت زخّات المطر الشديدة، واعتادت أعيننا على لمعان البرق، وآذاننا على دويّ الرعد. تعودنا على قسوة الحياة، فصارت جزءًا من تكويننا.
وكل ما نكتبه ليس سوى كلماتٍ في بحارٍ واسعة؛ لأن الحياة الريفية لا يمكن اختزالها في مقالٍ أو كتاب. فكل يومٍ يعيشه أبناء القرى يحتاج إلى كتبٍ ومجلداتٍ كبيرة، لما يحمله من تفاصيل ومعانٍ وتجارب إنسانية عميقة.
وهنا أتحدث وأقول: ليس الريف العراقي وحده هو الذي كُتب عنه أو يمكن أن يُكتب عنه، بل إن واقع الريف في مختلف دول العالم كان ولا يزال مصدر إلهامٍ لكثير من الكتّاب الذين نالوا جوائز عالمية عن أعمالهم. وأشير هنا، على سبيل المثال لا الحصر، إلى الريف السويسري، الذي كتب عنه العديد من الأدباء، وكان من أبرزهم الكاتب السويسري الكبير شارل فرديناند راموز الذي وصل الى النجومية العالمية بكتاباته، والذي اشتهر بتصويره الواقعي لشخصيات القرى السويسرية وصراعهم مع الطبيعة والمصير، في أعمال مثل «الرجل العظيم في الجبل» و«عندما سقط الجبل»كما لا يمكن إغفال الروائية العالمية المعروفة جوانا سبيري، مؤلفة رواية الأطفال الشهيرة «هايدي»، التي أصبحت رمزًا للريف السويسري الساحر.
أما عن الواقع الريفي العربي، فلا بد من ذكر العديد من الكتّاب الذين تناولوا الريف المصري في كتاباتهم، وفي مقدمتهم الكاتب المصري الكبير عبد الرحمن الشرقاوي، الذي عُرف بـ«كاتب الفلاح»، وتحدث باسم الفلاحين في أعماله التي رصدت قضايا الريف وهمومه.
كثيرون كتبوا عن الريف وحياة الفلاحين، عن الحقول والبساتين، عن صعوبة العيش، وعن الوديان ومجاري الطبيعة، عن الشتاء والأمطار، وعن الربيع والزهور، وعن الصيف وحرارة الشمس اللاهبة. كما كتب آخرون عن الحياة المدنية، وعن الثورات، وعن مختلف مجالات الحياة.
نعم، سنبقى نكتب عن ذلك الريف الذي عشنا فيه، ورغم قسوة الظروف التي أحاطت بنا، إلا أننا تأقلمنا معه وأصبحنا جزءًا منه. وما زالت ذاكرتنا تحتفظ بالكثير من الذكريات الجميلة، المستمدة من ذلك الواقع الصادق والبسيط...