الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تَسَاهِيل

بواسطة azzaman

تَسَاهِيل

محمدُ خضيرِ الأنباريِ

 

هناكَ كلماتٌ تتجاوزُ حدودَ اللغة، فتغدو أسلوبا في التفكيرِ ومنهجا في الحياة، ومنْ أجملِ هذهِ الكلمات، كلمةْ تساهيل. كلمةٌ بسيطةٌ في حروفها، لكنها عميقةٌ في معناها، تبعثُ في النفسِ السكينة، وتزرعُ في القلبِ الأمل، وكأنها تهمسُ لكلِ إنسان: امضِ في طريقك، وأبذلُ ما تستطيع، ودعَ تدبير ما تعجزُ عنهُ لله- سبحانهُ وتعالى- .

  خلدتْ الأغنيةُ الشهيرةُ (تساهيل) هذا المعنى الإنسانيَ الراقي، بكلماتِ الشاعر عبد الرحيمِ منصور، وألحانِ الموسيقارِ بليغ حمدي، وصوتِ الفنانةِ عفاف راضي، الذي منحها دفئا خاصا، لتصبحَ واحدة منْ الأغنياتِ التي ارتبطتْ في وجدانِ الناسِ بالتفاؤلِ وحسن الظنِ بالله.

ما زالتْ كلماتها تترددُ على الألسنة:

 تساهيل والرزق على اللهِ

 تساهيل تساهيل يا حلاوة بكرةٍ

 تساهيل تساهيل ونسيم غ النيل

 تساهيل بتقولٍ لليلِ تساهيل ح تروق والله … تساهيل.

إنها ليستْ مجرد كلماتٍ تغنى، بلْ رسالة تدعو إلى الاطمئنان، وإلى الإيمانِ بأنَ بعدَ كلِ ضيقِ سعة، وبعدَ كلِ ليلٍ فجرٍ جديد.

   وفي حياتنا اليومية، لا تكادُ تخلو مناسبةٌ منْ عبارة: اللهُ يسهلها، أوْ التسهيل منْ ربِ العالمين، نقولها عندَ بدايةِ عمل، أوْ عندَ مواجهةِ مشكلة، أوْ انتظارِ خبر، وهيَ ليستْ مجرد تعبيرٍ للمواساة، بلْ انعكاسٍ لإيمانٍ راسخٍ بأنَ اللهَ وحدهُ يملكُ تيسيرَ الأمور، إنَ لكلِ عسرِ يسرا، ولكلِ كرب فرج، إذا صدقتْ النيةُ وحسن التوكل.

   إنَ التوكلَ على الله سبحانه وتعالى، لا يعني تركَ الأسبابِ أوْ انتظارَ النتائجِ دونَ عمل، فالإسلامُ يدعو إلى السعيِ والاجتهاد، ثمَ تفويضِ الأمرِ إلى الله. فلا يعقلُ أنْ ينتظرَ الإنسانُ الرزق، وهوَ قاعد لا يتحرك، كما لا ينتظرُ الزارعُ حصادا قبلَ أنْ يبذرَ الأرض، ويرعاها، فاللهُ يباركُ في سعيِ العاملين، ويجزي المجتهدون، ويجعلُ للصابرينَ منْ صبرهمْ خير الجزاء.

   منْ أجملِ الدروسِ التي تعلمنا إياها كلمة (تساهيل) أنها تدعونا إلى الصبر، وعدمِ استعجالِ النتائج، فكثيرا ما يبدو التأخيرُ شرا، ثمَ نكتشفُ أنهُ كانَ الخير كله، وكمْ منْ بابٍ أغلقَ في وجهِ إنسانٍ ليفتحَ لهُ بابا أوسعَ وأفضل.

   فالحياةُ لا تقاسُ بلحظة، وإنما بمآلاتِ الأمور، والله، سبحانهُ وتعالى، أعلم بما يصلحُ لعباده. وقدْ أرشدنا القرآنُ الكريمُ إلى هذا المعنى العظيمِ في قولهِ تعالى: ( واصبرْ وما صبرك إلا بالله) صدقَ اللهِ العظيمِ (سورةْ النحل: الآيةُ 127 ) .

   إنَ الصبرَ ليسَ استسلاما، بلْ قوة داخلية تمنحُ الإنسان القدرة على مواصلةِ الطريقِ بثقةٍ ويقين، وهوَ رفيقُ النجاح، كما أنَ الرضا يخففُ عنْ القلبِ أعباء القلق، ويمنحُ النفس سلاما لا يقدرُ بثمن، فلنجعلْ (تساهيل) أكثر منْ كلمةٍ نرددها؛ لنجعلها منهجا نعيشُ به.

  نعملُ بإخلاص، ونأخذُ بالأسباب، ونؤدي واجباتنا بأمانة، ثمَ نحسنُ الظنَ بالله، فهوَ سبحانهُ لا يضيعُ أجر منْ أحسنَ عملا، ولا يخيبُ رجاءُ منْ وثقَ برحمته. لعلَ أجملَ ختام لهذا المعنى، قول الشاعر:

 اصبرْ على مرِ الزمان،  فإنهُ ما ضاقَ عيشٌ بالصبورِ يدوم،

 فالصبرُ مفتاح الفلاح،  وإنما تأتي البشائرُ  بعدَ طولِ صمود،

    هكذا تبقى كلمةُ تساهيل عنوانا للأمل، ورسالة تبعثُ الطمأنينةَ في النفوس، وتذكرنا دائما بأنَ الرزقَ بيدِ الله، وأنَ الفرجَ يأتي في وقته، وأنَ ما عندَ اللهِ خير وأبقى لمنْ أحسنَ السعي، صبرا، وأيقنَ بأنَ معَ العسرِ يسرا.


مشاهدات 44
الكاتب محمدُ خضيرِ الأنباريِ
أضيف 2026/09/05 - 2:50 PM
آخر تحديث 2026/09/06 - 12:48 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 68 الشهر 8479 الكلي 16540999
الوقت الآن
الأحد 2026/9/6 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير