شخصيات من بلادي.. فؤاد التكرلي
روائي كتب الإنسان من الداخل
صالح رضا
حين نبحث في ذاكرة الأدب العراقي الحديث، لا يمكن أن نتجاوز اسمًا ترك أثرًا عميقًا في مسيرة القصة والرواية العراقية، هو الأديب والروائي فؤاد التكرلي، أحد أبرز أصوات جيل الخمسينيات، وأحد الذين أسهموا في نقل الرواية العراقية من مجرد حكاية إلى فضاء أوسع من التحليل النفسي والاجتماعي ورصد الإنسان في صراعاته الداخلية.
ولد فؤاد عبد الرحمن محمد سعيد التكرلي في بغداد سنة 1927، ونشأ في بيئة بغدادية عريقة، وأكمل دراسته في بغداد قبل أن يتخرج في كلية الحقوق سنة 1949. وبعد تخرجه عمل في سلك القضاء والقانون، فكان موظفًا في المحاكم، ثم قاضيًا، وعمل لاحقًا خبيرًا قانونيًا في وزارة العدل. وقد أتاحت له مهنته القانونية أن يقترب من تفاصيل الحياة العراقية، وأن يرى الإنسان في لحظاته الصعبة، وهو ما انعكس بصورة واضحة على عالمه الأدبي.
لكن القانون لم يكن وحده يشغل فؤاد التكرلي؛ فقد كان الأدب حاضرًا في حياته منذ سنوات مبكرة. وبدأ نشر قصصه في الصحافة والمجلات، وكانت أولى قصصه المنشورة «همس مبهم» سنة 1951 في مجلة «الأديب» اللبنانية. ومنذ ذلك الوقت أخذ اسمه يترسخ في المشهد القصصي العراقي والعربي.
ولم يكن التكرلي كاتبًا يستعجل النشر أو الشهرة، بل كان شديد العناية بما يكتب، ولذلك بقيت بعض أعماله سنوات طويلة قبل أن ترى النور. ومن اللافت أن روايته المبكرة «بصقة في وجه الحياة» بدأت كتابتها في أواخر أربعينيات القرن العشرين، لكنها لم تنشر إلا سنة 1980، بسبب جرأة موضوعها بالنسبة إلى المجتمع العراقي في ذلك الوقت.
خطوة مهمة
وجاءت رواية «الرجع البعيد» سنة 1980 لتكون واحدة من أهم محطات التكرلي الروائية، وقد عُدّت خطوة مهمة في تطور الرواية العراقية الحديثة، خصوصًا في بنائها الفني والتحليل النفسي للشخصيات وتعدد الأصوات والرؤى داخل العمل.
وفي عالم التكرلي الروائي لا نجد الشخصيات مجرد أسماء تتحرك داخل الأحداث، بل نجد الإنسان بكل ضعفه وتناقضاته وأحلامه وخيباته. كان يقترب من الشخصية كما يقترب الطبيب من حالة إنسانية معقدة؛ يراقبها، ويحلل دوافعها، ويكشف ما تخفيه خلف الكلام والسلوك.وهنا تكمن خصوصية تجربته؛ فهو لم يكن معنيًا بالحكاية وحدها، بل كان معنيًا بما يحدث داخل الإنسان.
ثم جاءت روايته «خاتم الرمل» سنة 1995، وبعدها «المسرات والأوجاع» سنة 1998، ثم روايته الأخيرة «اللاسؤال واللاجواب» سنة 2007، إلى جانب مجموعاته القصصية وأعماله الأخرى.
وقد يبدو للوهلة الأولى أن هناك مسافة كبيرة بين مهنة القاضي وعالم الروائي، لكن تجربة فؤاد التكرلي تثبت العكس.فالقاضي ينظر إلى الإنسان من خلال أفعاله ودوافعه ومسؤوليته، والروائي ينظر إليه من خلال مشاعره وأسراره وهواجسه. وربما كان اجتماع التجربتين في شخص واحد سببًا من أسباب عمق شخصيات التكرلي، إذ لم يكن يتعامل مع أبطاله بصورة سطحية، وإنما كان يبحث عن الأسباب الخفية التي تقف وراء تصرفاتهم.وعندما سافر إلى فرنسا في إجازة دراسية لدراسة القانون، لم تقتصر اهتماماته على المجال القانوني، بل انفتح بصورة أكبر على الحركات الأدبية والفنية والثقافية، وهي تجربة تركت أثرًا في تكوينه الفكري والأدبي.
وبغداد حاضرة بقوة في ذاكرة فؤاد التكرلي الأدبية. فهي ليست مجرد مكان للأحداث، وإنما فضاء إنساني تتقاطع فيه العلاقات والذكريات والتحولات الاجتماعية.وقد استطاع أن يجعل من تفاصيل الحياة اليومية مادة أدبية، وأن يمنح الشخصيات العادية مساحة تستحق التأمل. لم يكن يبحث عن الأبطال الاستثنائيين بقدر ما كان يبحث عن الإنسان العادي، ذلك الإنسان الذي قد يبدو هادئًا من الخارج، بينما تعصف داخله أسئلة كثيرة لا يراها الآخرون.وهذا ما جعل أدبه قريبًا من القارئ، لأن القارئ يجد في شخصياته شيئًا من نفسه، أو من الأشخاص الذين عاش بينهم.
ولم يبقَ تأثير فؤاد التكرلي محصورًا في العراق، بل امتد إلى المشهد الأدبي العربي، وظل اسمه حاضرًا بوصفه أحد الأسماء المهمة في تطور الرواية والقصة العربية الحديثة.
وفي الدورة السادسة لجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية 1998–1999، نال فؤاد التكرلي الجائزة في مجال القصة والرواية والمسرحية، تقديرًا لعطائه الأدبي ومكانته المتميزة في الأدب العربي.
ومن المهم التمييز هنا بين تاريخ الرواية والجائزة؛ فقد صدرت «الرجع البعيد» سنة 1980، بينما جاءت جائزة العويس بعد ذلك بسنوات، ضمن الدورة السادسة 1998–1999.
وفي سنواته الأخيرة عاش خارج العراق، وأقام في تونس فترة من الزمن، قبل أن ينتقل إلى الأردن، حيث توفي في 11 شباط 2008 عن عمر ناهز الثمانين عامًا.
*رحل فؤاد التكرلي، لكن أعماله بقيت شاهدة على مرحلة مهمة من مراحل الثقافة العراقية.كان من أولئك الذين لم يكتبوا لمجرد الكتابة، ولم يبحثوا عن كثرة الإنتاج بقدر ما بحثوا عن قيمة ما يكتبون. ولهذا بقيت أعماله، رغم محدودية عدد رواياته مقارنة ببعض الروائيين، ذات حضور وتأثير يتجاوز عدد الكتب.إن قيمة فؤاد التكرلي لا تكمن في كونه روائيًا عراقيًا فحسب، بل في كونه واحدًا من الذين ساعدوا على تأسيس ملامح الرواية العراقية الحديثة، وجعلوا من الشخصية الإنسانية مركزًا للعمل الروائي.
وحين نستعيد أسماء المبدعين العراقيين الذين صنعوا جزءًا من الذاكرة الثقافية لهذا الوطن، فإن اسم فؤاد التكرلي يستحق أن يبقى حاضرًا بين تلك الأسماء.فالأوطان لا تحفظها الجغرافيا وحدها، وإنما يحفظها أيضًا الذين كتبوا ناسها، وحفظوا أصواتهم وأحلامهم وانكساراتهم على صفحات التاريخ.