الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
‏الى  روضة الحاج.. سمراء السودان التي جعلت من الوجع قصيدة


‏الى  روضة الحاج.. سمراء السودان التي جعلت من الوجع قصيدة

‏ ابراهيم المحجوب 

 

‏قرأت قصيدتكِ، أيتها السمراء، فوجدت فيها وجعاً لا يشبه وجع العابرين، بل وجع الإنسان الذي ظن أنه انتصر على الغياب، فإذا بالغائب يعود ليذكّره بأن بعض الجراح لا تشفى، وإنما تتعلم كيف تصمت.

‏نعم، يا من كتبتِ عن السمراء، فهل كنتِ تقصدين سمراء الصحراء الإفريقية، أم تلك السمراء التي صاغها طين النيل العظيم، واحتضنتها أرض السودان؟ أم كنتِ تقصدين السمراء التي كتبت القصيدة، فجاءت كلماتها متماهية مع ذلك الواقع، تحمل لون الأرض ودفء النهر ووجع الإنسان؟

‏ربما كانت السمراء كل ذلك معاً؛ امرأةً من لحم ودم، ووطناً من تراب وماء، وقصيدةً تمشي على ضفاف النيل. فالسواد هنا ليس لوناً فحسب، وإنما هو هوية المكان ودفء الأرض وعمق التجربة، وهو اللون الذي اختلط بماء النيل، فأنجب شاعرةً استطاعت أن تجعل من وجعها الشخصي وجعاً يلامس قلوب الملايين.

‏وها انت تخاطبين ذلك الغائب وتقولين

‏لماذا عُدتَ؟ قد وطَّنتُ نفسي

‏على الصبرِ الجميلِ..على الغيابِ

‏لماذا عُدتَ؟ قد هيَّأتُ روحي

‏لرحلتِها الطويلةِ في اليبابِ

‏لقد حفّظتُها سورَ التناسي

‏وقد لقَّنتُها حُججَ السرابِ

‏وعُدتَ الآنُ تنقضُ كلَّ غزلي

‏تحلُّ عُرى اصطباري بالإيابِ

‏سؤالُكِ: «لماذا عدت؟» ليس سؤالاً عن عودة إنسان فحسب، بقدر ما هو سؤال عن عودة الذاكرة، وعودة القلب إلى مكان أقسم أن لا يعود إليه. فحين يرحل من نحب، لا ندفنهم دائماً في أعماق النسيان؛ أحياناً ندفنهم في زاوية من القلب، ثم نمضي متظاهرين بأننا تعافينا.

‏أجمل ما في القصيدة أن الشاعرة لا تستقبل العائد بالفرح، ولا تطرده بالغضب، بل تقف بينهما في منطقة مؤلمة اسمها الخذلان. لقد بنت لنفسها وطناً من الصبر، وحفظت سور التناسي، وأقنعت روحها بأن الرحيل صار قدراً، ثم جاء الغائب ليهدم في لحظة كل ما بنته سنوات الغياب.

‏إن بعض العائدين لا يعودون لكي يبدأوا من جديد، وإنما يعودون ليكتشفوا أن المكان الذي تركوه لم يعد كما كان. فالقلب الذي كان ينتظرهم طويلاً قد أنهكه الانتظار، والشوق الذي كان مشتعلاً أصبح رماداً، والقصائد التي كانت تُكتب بحبر المحبة صارت معلقة على حبل العتاب.

‏وحين تقولين: «أمر على خراب كان قلباً»، فأنتِ لا تصفين قلباً فقط، بل تصفين زمناً كاملاً مرّ بنا جميعاً؛ زمناً كان فيه الحب بيتاً، ثم صار أطلالاً، وكانت الذكريات ربيعاً، ثم تحولت إلى أرض يابسة لا ينبت فيها سوى الحنين.

‏أما عودته، فلم تكن عودة إلى قلب ينتظر، بل عودة إلى قلب تعلّم كيف يعيش بدونه. ولذلك كان السؤال الأكبر ليس: لماذا عدت؟ وإنما: لماذا عدتَ بعد أن انتهى انتظارك؟

‏ومن دجلة والفرات إلى النيل، قد يسألني بعض الأصدقاء: لماذا أكتب عن السمراء السودانية روضة الحاج؟ ولماذا أكتب عن أحلام مستغانمي، ملكة الرواية العربية الجزائرية الأصل؟ ولماذا أكتب عن التحف الأدبية التي أبدعها لنا أديب العرب الكبير نجيب محفوظ؟ ولماذا أكتب عن هؤلاء وغيرهم من القامات الأدبية والفكرية؟

‏والجواب ببساطة: لأن القلم الذي تعلّق بالأدب، ويتابع ما يجري من حوله من حراك ثقافي وإبداع إنساني، لا يستطيع أن يتجاوز قامات استطاعت أن تصنع من الكلمة حياة، ومن الألم جمالاً، ومن اللاشيء شيئاً يستحق أن يبقى في ذاكرة الأجيال.

‏أنا أكتب عنهم لأن الأدب لا يعرف حدوداً جغرافية، ولا يعترف بالمسافات بين الخرطوم والجزائر والقاهرة والموصل. فالكلمة الصادقة تستطيع أن تعبر دجلة والفرات والنيل، وأن تصل إلى قلب القارئ أينما كان. وما يجمعنا نحن أبناء هذه الأمة ليس المكان وحده، بل ذلك الإرث العظيم من اللغة والحكاية والشعر والرواية.

‏ولذلك حين أقرأ لروضة الحاج، لا أرى شاعرة سودانية فحسب، بل أرى صوتاً عربياً يحمل وجع الإنسان العربي، ويحوّل التجربة الشخصية إلى إحساس مشترك. وحين أقرأ لأحلام مستغانمي أو نجيب محفوظ، فإنني لا أتوقف عند جنسية الكاتب أو جغرافية المكان، بل أتوقف أمام قيمة الكلمة وقدرتها على البقاء.

‏فالأدب الحقيقي لا يصنعه المكان وحده، وإنما تصنعه الموهبة والصدق والقدرة على تحويل التجربة إلى أثر. وهؤلاء المبدعون استطاعوا أن يحققوا من الشيء شيئاً عظيماً، ومن التجربة العابرة أثراً خالداً، ومن الكلمة البسيطة عالماً كاملاً.

‏وهكذا أعود إلى قصيدتكِ، أيتها السمراء، فأجد أن الغائب ليس دائماً شخصاً؛ قد يكون وطناً، أو حلماً، أو زمناً، أو حتى جزءاً من أرواحنا ظننا أنه مات ثم عاد فجأة ليوقظ فينا كل ما حاولنا نسيانه.

‏تحية لكِ من ضفاف دجلة إلى ضفاف النيل، يا روضة الحاج، شاعرةً جعلتِ من سؤال «لماذا عدت؟» حكايةً طويلة عن الحب والغياب والانتظار، وعن تلك القلوب التي لا تموت فيها الذكريات، حتى وإن مات فيها الانتظار.

 


مشاهدات 48
الكاتب ابراهيم المحجوب 
أضيف 2026/08/19 - 3:10 PM
آخر تحديث 2026/08/20 - 1:48 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 206 الشهر 22723 الكلي 16112427
الوقت الآن
الخميس 2026/8/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير