الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قراءة في نفوس الأمس واليوم

بواسطة azzaman

قراءة في نفوس الأمس واليوم

شاكر كريم عبد

 

يقف الإنسان في كل عصر حائراً بين ماضٍ ولى وحاضر يعيشه، يوازن بين تفاصيل الأيام ويبحث عن السر الذي جعل الحياة تتغير بهذه السرعة المذهلة. إن المقارنة بين «الأمس» و»اليوم» ليست مجرد حنين عاطفي جارف إلى وقت مضى، بل هي وقفة تأمل عميقة في سلوكيات البشر، وتحولات النفوس، وكيف غيرت المدنية الحديثة ملامح علاقاتنا الإنسانية واجتماعياتنا، حتى كدنا نفقد جوهرنا الإنساني في زحام المادة.

لو نظرنا إلى الماضي القريب، سنجد أن الأمس كان يفتقر إلى الكثير من وسائل الراحة والرفاهية، وكان الفقر والجهل المادي أكثر وضوحاً في تفاصيل العيش. لكن المفارقة العجيبة تكمن في أن تلك البساطة القاسية كانت تصنع نفوساً عزيزة، تترفع عن الصغائر، وتعتز بكرامتها فوق كل شيء، فكان شبع الأرواح يغني عن جوع البطون.

أما اليوم، فرغم الانفتاح التكنولوجي الهائل، والوفرة المادية، والشهادات العلمية العالية، إلا أننا نعيش تراجعاً واضحاً في القيم الإنسانية. لقد حلّ الجشع مكان القناعة، وأصبحت المظاهر الخداعة والاستعراضية هي وسيلة التقييم الأولى بين البشر، مما أنتج فقراً روحياً وأخلاقياً قاحلاً يشتكي منه القاصي والداني.

 فالأخلاق هي رأس مال الإنسان الحقيقي وحصنه المنيع؛ كان الصدق أصلاً ثابتاً، والنفاق سلوكاً منبوذاً تعافه النفوس السوية، وكانت الثقة متبادلة بين أبناء المجتمع الواحد، تُعقد بها العهود دون الحاجة إلى أوراق ومواثيق. كان سلوك الناس في تعاملاتهم اليومية أرقى وأطهر بكثير مما نراه الآن في واقعنا المعاصر.

وفي المقابل، نرى اليوم هبوطاً وتردياً متسارعاً في منظومة التعاملات، حيث استشرى الكذب والنفاق بشكل علني ومؤسف تحت مسميات «الذكاء الاجتماعي» أو «المصلحة». تحولت العلاقات في كثير من الأحيان إلى تبادل منافع مؤقتة، وغابت العفوية والنوايا الطيبة التي كانت تجمع القلوب وتؤلف بينها قديماً.

ولم يتوقف هذا التحول الحاد عند عامة الناس فحسب، بل امتد لينخر في جسد المسؤولية وأصحاب القرار. في الأمس، كان «المسؤول» واجهة للمجتمع ونموذجاً يُحتذى به يمتاز بجمال المظهر، وحلاوة اللسان، ونظافة اليد التي تجعله يخاف الله في رعيته وسره وعلنه. كان المسؤول القديم يضع سمعته العائلية والوظيفية فوق كل اعتبار مادي، ويعتبر الكرسي تكليفاً وأمانة ثقيلة يُحاسب عليها أمام الله والتاريخ.

أما اليوم، فقد انقلبت الموازين بشكل صادم ومرير؛ إذ نرى في أروقة الوظيفة العامة من يتصفون بسلاطة اللسان، والكذب، والافتراء على الآخرين دون وازع من ضمير أو رادع من حياء. لقد تحولت الوظيفة من ميدان لخدمة الناس إلى وسيلة للمكاسب الشخصية السريعة، وأصبح المال العام مستباحاً من قِبل من غابت عن قلوبهم الأمانة، فخسروا هيبتهم وضاعت بفسادهم حقوق العباد.

إن هذا الشرخ الأخلاقي أفرز نتيجة حتمية، فغابت عن عصرنا «الطمأنينة النفسية» التي كانت أجمل ما يميز الأمس. قديماً، كانت الأيام والليالي تمر خالية من القلق والهموم الكبرى، وكان النوم هادئاً لأن الصدور صافية لا تحمل غلاً ولا حسداً.

أما اليوم، فقد حاصرتنا الهموم والصراعات اليومية من كل جانب، واشتعلت منافسات مادية شرسة سلبت من الناس راحة البال ولذة المنام. أصبح القلق مرض العصر المزمن، وبات الجميع يركض في ساقية الحياة لاهثاً، دون الوصول إلى نقطة الاكتفاء أو الشعور بالسلام الداخلي.

 وعليه  فانه تتكشف لنا حقيقة لا غبار عليها  هو ان التطور المادي والتكنولوجي لا يعني بالضرورة ارتقاءً إنسانياً أو أخلاقياً. لقد كانت طمأنينة الأمس وبساطته، ونزاهة مسؤوليه، نبعاً لصناعة مجتمع متماسك ونفوس رفيعة، بينما أورثتنا مدنية اليوم قلقاً مزمناً وعلاقات مشوهة. إننا اليوم بحاجة ماسة إلى ثورة وعي تعيدنا إلى بعض قيم الأمس الأصيلة، لنعيد التوازن والسكينة إلى حياتنا المعاصرة قبل أن تبتلعنا القشور تماماً وتذرو الرياح أصولنا.

 

 

 

 


مشاهدات 63
الكاتب شاكر كريم عبد
أضيف 2026/08/19 - 4:16 PM
آخر تحديث 2026/08/20 - 1:14 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 123 الشهر 22640 الكلي 16112344
الوقت الآن
الخميس 2026/8/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير