هذا هو الشعر ... لا ما يُقال عنه
عبدالحسين بريسم
لا أبحث في هذا المشروع عن شاعرٍ يشبه غيره ، ولا عن قصيدةٍ تحسن تقليد قصيدة أخرى .
فما أكثر الشعر الذي يُكتب..و ما أقل الشعر الذي يبقى .
بعد الإنتهاء من مشروع «الصدمة الناعمة في الشعر و السرد» ، الذي سيصدر قريبًا عن دار وتريات للنشر والتوزيع في بابل ، شعرت أن الوقت قد حان للعودة إلى الشعر نفسه ، لا إلى ما يحيط به من ضجيج نقدي و إعلامي .
فالشعر اليوم لا يحتاج إلى مزيد من التصنيفات ، بل إلى من يعيد الإنصات إلى نبضه الحقيقي..!!
لقد أستبدل كثيرون القصيدة بأسمائها و الموهبة بشهرتها ، و الكتابة بحضورها الإعلامي .
و صار الإحتفاء بالشاعر يسبق قراءة نصه ، حتى كاد النص أن يصبح آخر ما يُنظر إليه .
لذلك فإن هذا المشروع يقف في الجهة المقابلة ، جهة القصيدة أولًا وأخيرًا .
لن أكتب بوصفي ناقدًا يسعى إلى إثبات منهج ، ولا باحثًا يطارد المصطلحات..سأكتب بصفتي شاعرًا يعرف أن القصيدة لا تُقاس بعدد الإستعارات ، ولا بزخرفة اللغة ولا بحجم التصفيق الذي تحصده في المهرجانات..!!
القصيدة الحقيقية هي التي تهز القارئ ، و تترك فيه أثرًا لا يمحوه الزمن .
لقد سبقتني إلى هذا الطريق كتب مثل «الإختزال الشعري» الصادر عام 2006 عن دار الصباح ، و**«كاتب الغابة»** الصادر عن منشورات اتحاد أدباء ميسان ، ثم مشروع «الصدمة الناعمة» .
لكنها جميعًا كانت محطات تقودني إلى هذا السؤال : من هم الشعراء الذين أستطاعوا أن يصنعوا لغتهم الخاصة ، و أن يضيفوا حجرًا جديدًا إلى بناء الشعر العراقي..؟؟
هذا الكتاب محاولة للإجابة عن هذا السؤال..؟؟
سأتوقف عند تجارب شعرية أؤمن بأنها لم تكتب لتملأ رفوف المكتبات ، بل لتبقى في الذاكرة..تجارب صنعت صوتها بعيدًا عن التقليد ، وراهنت على النص لا على العلاقات ، و على المغامرة لا على الإطمئنان ..!!
و من بين هذه الأصوات : نامق عبد ذيب ، عارف الساعدي ، منذر عبد الحر ، عمر عجيل السراي ، رعد زامل ، حامد عبدالحسين حميدي ، سلام البناي ، ياس السعيدي ، و عبدالسادة البصري ، إلى جانب أسماء أخرى ستدخل هذا المشروع تباعًا بحسب ما يصلني من إصداراتها الورقية..!!
لن تكون هذه القراءات شهادات مجاملة ، ولن تكون محاكمات نقدية..سأكتب فقط عن الشعر الذي أراه شعرًا ، و عن القصائد التي أستطاعت أن تنتصر على الزمن ، و أن تقنعني بأن اللغة ما زالت قادرة على إكتشاف العالم من جديد..؟؟
قد يختلف معي البعض و هذا حقهم .. فهذه ليست قائمة لأفضل الشعراء ، و ليست محاولة لإقصاء أحد ، بل هي إعلان واضح عن ذائقة شعرية أتحمل مسؤوليتها كاملة .
إنني أكتب عن الشعر كما أراه ، لا كما يُراد لي أن أراه .
أؤمن أن تاريخ الشعر لا يصنعه الأكثر ظهورًا، بل الأكثر صدقًا..و لا يكتبه أصحاب الضجيج ، بل أولئك الذين يتركون في اللغة أثرًا لا يبهت.
هذا الكتاب ليس بحثًا عن إجماع ، فالإجماع لا يصنع أدبًا..إنه دفاع عن القصيدة التي تستحق الحياة ، و عن الشعراء الذين أختاروا أن يكونوا أوفياء للنص قبل أي شيء فمجرد كلام يدور حوله..!!