الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الدين سيف والمصالح مخرج

بواسطة azzaman

الدين سيف والمصالح مخرج

نبيل رحيم العبادي

 

بين حقل الرميلة في البصرة وميناء ينبع على البحر الأحمر، يمتد شريط فولاذي يبلغ طوله نحو ألف ومائتي كيلومتر، لم يكن مجرد أنبوب لنقل النفط، بل كان مرآة عاكسة لتقلبات العلاقة بين دولتين جارتين، وشاهداً على تحولات الجغرافيا السياسية في المنطقة. هذا الأنبوب، الذي حمل اسم العراق والسعودية معاً، يروي قصة نادرة عن كيف يمكن للاقتصاد أن يظل أسيراً للسياسة، وكيف يمكن للقانون أن ينحني أمام الوقائع حين تتعارض معه.لقد انطلق المشروع في سبعينيات القرن الماضي برؤية عراقية خالصة، وبتمويل عراقي كامل تجاوز ملياري دولار، ليكون منفذاً استراتيجياً للنفط العراقي بعيداً عن مياه الخليج المضطربة. لم تكن السعودية شريكاً في التكلفة، بل كانت مضيفاً كريماً منحت من خلاله حق المرور لأراضيها، في اتفاقية ثنائية حرصت على توثيق أن الملكية الفنية والمالية للأنبوب تبقى عراقية بلا منازع. لكن هذا الترتيب القانوني الواضح سرعان ما اصطدم بواقع مرير حين حل عام 1991، حيث توقفت الحياة في هذا الشريان بعد أن جفت منابع النفط العراقي تحت وطأة العقوبات الدولية، وبات الأنبوب جسداً بلا روح يمتد فوق الرمال السعودية.في عام 2001، حدث ما لم يكن متوقعاً، فقد قررت المملكة العربية السعودية الاستيلاء على القسم الواقع داخل حدودها، معتبرة أن الأنبوب المهجور لم يعد مجرد ملكية عراقية، بل أصبح ضمانة عينية لديون متراكمة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، دفعتها في سنوات الحرب العراقية الإيرانية. كان هذا الإجراء مثيراً للجدل قانونياً، إذ استند إلى مبدأ السيادة الإقليمية والقوانين المحلية التي تسمح بمصادرة الأملاك الأجنبية المعطلة، لكنه في المقابل اصطدم بمبادئ القانون الدولي التي تحظر مصادرة أموال الدول الأخرى دون تعويض عادل وفوري. ومن هنا نشأ السؤال الجوهري: هل يمكن لدين مالي أن يبرر تملك أصل استراتيجي مملوك بالكامل لدولة أخرى؟الإجابة من منظور القانون الدولي هي لا، إذ أن الدين لا يسقط حق الملكية، ولا يخول الدائن انتزاع أصول المدين دون حكم قضائي أو اتفاق تحكيمي. لكن القانون، كما يعلم الممارسون، ليس فقاعة هواء، بل يعيش في سياق القوة والواقع.

وفي غياب محكمة دولية تفصل في النزاع، تحول المسألة من نزاع قانوني إلى ممارسة واقعية، حيث استخدمت السعودية الأنبوب لضخ نفطها إلى ينبع، متنفسة من خلاله عن ضغط مضيق هرمز، ومحولة إياه إلى أداة تجارية تخدم مصلحتها الاقتصادية.ظل هذا الوضع قائماً لعقدين من الزمن، حتى جاء عام 2021 ليحمل رياحاً جديدة من المصالحة. في ذلك العام، عاد العراق ليفتح هذا الشريان مجدداً، ليس عبر قرار قضائي يبطل المصادرة، بل عبر اتفاق سياسي بارع أعاد التوازن إلى العلاقة. لقد تم التوصل إلى تفاهم ذكي تجاوز الجدل القانوني، حيث أقر الطرفان بأن الأنبوب يبقى ملكاً للعراق، لكن السعودية تحتفظ بحق انتفاع مشروط في حال عدم استخدامه، مقابل تعويض رمزي يغلق ملف الماضي. هذا الحل لم يكن انتصاراً لأي طرف على الآخر، بل كان انتصاراً للعقل العملي، الذي يعرف أن التعاون في مجال الطاقة أجدى من التقاضي حول الملكية.

اليوم، يمر النفط العراقي مجدداً عبر هذا الأنبوب، وإن بكميات أقل من طاقته القصوى، لكنه يعود حاملاً معه رمزاً جديداً للعلاقة بين الدولتين. إن قصة هذا الأنبوب ليست مجرد سردية تقنية عن خطوط النفط، بل هي درس في كيفية تعامل الدول مع أصولها المشتركة، وكيف يمكن للواقع السياسي أن يعيد تعريف المفاهيم القانونية دون أن يلغيها. وهي تذكرنا بأن القانون ليس صلباً كالحديد، بل مرن كالنفط، ينساب بين زوايا التاريخ والسياسة، ويتشكل وفقاً لحاجة الأحياء لا وفقاً لنصوص الأموات.وفي النهاية، يظل هذا الأنبوب شاهداً على أن الجغرافيا قد تربط الجيران، لكن الإرادة السياسية وحدها هي التي تستطيع فتح أو غلق أبواب المصير المشترك.

 

 

 

 

 

 


مشاهدات 248
الكاتب نبيل رحيم العبادي
أضيف 2026/07/29 - 3:34 PM
آخر تحديث 2026/07/30 - 1:10 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 84 الشهر 32648 الكلي 15997774
الوقت الآن
الخميس 2026/7/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير