عقدة الحرمان في فرعنة الثوّار
جبار فريح شريده
ليست كل الثورات تنتهي بالحرية، كما أن ليس كل الثوار يبقون أوفياء للمبادئ التي خرجوا من أجلها. ففي كثير من التجارب السياسية، يتحول بعض من كانوا ضحايا للاستبداد إلى ممارسين له عندما يصلون إلى السلطة. ويُعرف هذا التحول نفسياً وسياسياً بما يمكن تسميته «عقدة الحرمان في فرعنة الثوار»؛ وهي حالة يتداخل فيها الشعور الطويل بالحرمان مع الرغبة في التعويض، فتتحول السلطة من وسيلة لخدمة المجتمع إلى أداة لإثبات الذات والانتقام من الماضي.
عاش كثير من قادة الحركات السياسية سنوات من الإقصاء أو السجن أو المنفى، وهو ما ولّد لديهم شعوراً عميقاً بأنهم يستحقون تعويضاً استثنائياً عند وصولهم إلى الحكم. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول هذا التعويض إلى اعتقاد بأن السلطة حق شخصي لا يجوز منازعتهم فيه، وأن كل نقد لهم هو امتداد للاضطهاد الذي تعرضوا له سابقاً.
في الحالة العراقية بعد عام 2003، شهدت البلاد انتقالاً من نظام استبدادي إلى نظام تعددي من الناحية الدستورية، إلا أن الممارسة السياسية أظهرت في كثير من الأحيان مظاهر تنافس على النفوذ، وتغليب الولاءات الحزبية والطائفية، وضعف بناء المؤسسات، وانتشار الفساد، واستغلال الدولة لخدمة المصالح السياسية لدى أطراف مختلفة. ولا يمكن اختزال هذه الظواهر في شخص أو حكومة بعينها، لكنها تعكس أزمة أعمق في الثقافة السياسية وإدارة السلطة.
لقد رفع كثير من الفاعلين السياسيين شعارات العدالة والديمقراطية، لكن التجربة أظهرت أن بعضهم وقع في الممارسات التي كان ينتقدها سابقاً: تضييق على الخصوم، ومحاصصة، وتغليب المصالح الحزبية، والسعي إلى احتكار القرار. وهنا يظهر ما يمكن وصفه بـ»فرعنة الثوار»، حيث يصبح القائد مقتنعاً بأنه وحده يمثل الشعب أو التاريخ، وأن بقاءه في السلطة ضرورة وطنية.
إن عقدة الحرمان لا تبرر الاستبداد، لكنها تساعد في تفسيره. فالإنسان الذي لم يتصالح مع ماضيه قد يستخدم السلطة لتعويض جراحه الشخصية بدلاً من بناء دولة عادلة. وعندما تغيب المؤسسات القوية والرقابة والمساءلة، يصبح هذا الميل أكثر خطورة، لأن السلطة المطلقة تغذي شعوراً بالتفوق والاستحقاق.
ولذلك، فإن نجاح أي ثورة أو تغيير سياسي لا يقاس بإسقاط نظام سابق فقط، بل بقدرة النخب الجديدة على مقاومة إغراء السلطة، وبناء مؤسسات تحكمها القوانين لا الأشخاص. فالتاريخ يثبت أن الاستبداد لا يرتبط بهوية الحاكم أو شعاراته، بل بطريقة ممارسته للسلطة.
وفي النهاية، فإن أكبر امتحان للثائر ليس في إسقاط الطاغية، بل في ألا يتحول إلى نسخة أخرى منه. فالثورة الحقيقية لا تكتمل بتغيير الوجوه، وإنما بتغيير ثقافة الحكم، وإرساء دولة يكون فيها القانون فوق الجميع، وتكون السلطة خدمة عامة لا امتيازاً شخصياً.