النظرة الأخلاقية للمثل العليا
حيدر عصام
المَثَل الأعلى هو تلك القيمة التي يسعى الإنسان إلى الوصول إليها بوصفها هدفاً سامياً من بين أهداف مجتمعه في زمانٍ ومكانٍ محدَّدين. وله معانٍ عدة، ودلالات، واستخدامات أكثر عبر عصور البشرية. وهناك علاقة جوهرية بين مصطلحيّ (المثالية) و(الأخلاقية) في سياق علم الأخلاقيات، كما يوضح مؤسس معهد الأخلاق العالمية عام 1990 الفيلسوف الأمريكي (راشورث كيدر)، بقوله: «تشمل التعاريف المعيارية للأخلاقيات عادةً عباراتٍ مثل علم الشخصية الإنسانية المثالية». وبصرف النظر عن تأصّل المُثُل العليا، سواء أكانت أخلاقياتٍ دينيةً أم أخلاقياتٍ علميةً، يتضح الاستقطاب النسبي للمُثُل العليا لدى الإنسان في الدلالة على مدى إخلاصه أو تفانيه الأخلاقي. ويعتقد أستاذ الأدب الإنجليزي في جامعة لانكستر (تيري إيغلتون) أن معقولية التطبيق العملي لبعض المُثُل العليا قد تتناقض في النهاية مع صحة تلك المُثُل ومشروعيتها من الناحية المنطقية. كما ينتقد الفيلسوف الأمريكي (ريتشارد رورتي) فكرة المُثُل الثابتة غير المتغيرة الموجودة بصورة شبه منفصلة عن الطبيعة البشرية باعتبارها فكرةً افتراضية. وفي تفسيره لقوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى)(النحل: 60)، يقول القرطبي: «المَثَل الأعلى وصفُه بما لا شبيه له ولا نظير». ويشير (توني شينتون)، الحاصل على شهادة الدكتوراه في الجغرافيا البشرية من جامعة نوتنغهام إلى أن ثمة نوعاً من الامتعاض قد ينتاب الناس ما إن يُتَّهَم أحدُ مُثُلهم العليا بتهمةٍ مُشينة؛ إذ قد يعيد ذلك تشكيل النظرة الأخلاقية إلى ذلك المَثَل، بيد أن هذا التشكّل لا يُعد فكرياً بقدر ما هو شخصي. فقد كان (كارل ماركس) من أشهر المفكرين المناهضين للاستغلال خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وفي الوقت نفسه وُجد بين كتاباته، مثل: (البيان الشيوعي، ورأس المال، والمخطوطات الاقتصادية والفلسفية، وغيرها) شيءٌ من احتقار بعض القوميات والأعراق. ومع ذلك، لا يوجد دليلٌ موثوق على صحة القول المنسوب إليه الذي اقتبسه أحد المترجمين، وفيه: «الصرب هم شعب عرقي أدنى ويجب قتلهم»، إلا أنه حلّل الأمم من الناحية الطبقية والتاريخية، فاضطر إلى نقد القومية بشراسة، مدعياً أنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمصالح البرجوازية والإقطاعية. ومثالاً على ذلك، شَعرَ كثيرٌ من قرّاء (نعوم تشومسكي) بالدهشة إزاء ما أُشيع عن علاقته بالمجرم الأمريكي (جيفري إبستين)، إذ كان ذلك الكاتب نموذجاً للمُفكر الحُر المناصر للمستضعفين طوال حياته. وكذلك ما تردد عن رائد الفلسفة الوجودية الألماني (مارتن هايدغر) بشأن ندمه على تمجيده للحزب النازي. وكذلك الفيلسوف الفرنسي (جان جاك روسو) الذي أبدع في الحديث عن التربية لكنه أهمل أبناءه. وأيضًا (برتراند راسل) ذلك الفيلسوف الذي طالما تحدث عن عظمة الحب بينما تجزم ابنته في مذكراتها بأن أباها كان بليد المشاعر ومنعزلًا عمّن حوله. إن الشعور بعدم الارتياح تجاه الشخصيات الفكرية ليس مرضاً ثقافياً جديداً، بل هو مأزقٌ فلسفي مألوف منذ سنوات طويلة؛ فنحن ورثةُ أفكارٍ لم يكن مبدعوها على درجةٍ من النقاء الأخلاقي تؤهلهم لأن يكونوا مُثُلًا عُليا. فكيف لنا أن نناهض تلك الحقائق، أو أن نتعايش معها؟ وقد لا نتوقف عن التساؤل بشأن أولئك الكتّاب: هل كانوا أشخاصًا صالحين أم سيئين؟ وهل كانت أفكارهم ومبادئهم صحيحة أم مُضللة؟ وهل كان ينبغي لنا الاحتفاء بهم أم لا؟ ولعلني أجد جواباً عن تلك التساؤلات فيما يراه (ألبرت أينشتاين) بقوله: «الحقيقة هي ما يصمد أمام التجربة»، ولا سيما أننا نعيش في زمنٍ تكثر فيه الإشاعات والأقاويل والاتهامات عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي التي جعلت من هذا الكوكب قريةً صغيرة؛ إذ يمكن لخبرٍ واحد أن ينتشر في أنحاء العالم أجمع خلال دقائق معدودة. لذلك تبقى التجربة وحدها المعيار الحقيقي للتمييز بين الصدق والزيف. وإننا نخطئ حين نستخدم عقولنا لتبنّي أفكارٍ لم نلمس أثرها في حياتنا أو في سلوكنا؛ فالحقيقة ليست كلاماً جميلاً نحب ترديده، بل هي تفاعلٌ تتشكل من نتائجه معاييرُ الصواب والخطأ. وأظن أن من واجب كل فردٍ ألا يكتفي بتبنّي النظريات الجاهزة، أو يطبقها على حياته وسلوكياته تطبيقاً أعمى، بل عليه أن يؤمن بأن حياته هي مختبره الحقيقي للتجارب، وأن ما ينتهي إليه من نتائج واختبارات في استنباط نظريته الخاصة عن المُثُل العليا هو خلاصة عقيدته الفكرية الصادقة.