معذرةً .. لا يوجد وقت للتكريم
عباس التميمي
يقال إن الرصاصة لا تقتل مرتين، لكن بعض المؤسسات اكتشفت طريقة أكثر أناقة لفعل ذلك؛ فهي تقتل الإنسان أولاً، ثم تقيم له تكريمياً بعد موته المعنوي، في البدء لا يكون المبدع عدواً لأحد، يدخل إلى عمله محملاً بالأفكار، مؤمناً بأن الاجتهاد طريق التقدم، وأن الإخلاص قيمة تستحق الاحترام، وأن المؤسسات وُجدت لتحتضن أصحاب الكفاءة. لكنه يكتشف متأخراً أن المشكلة ليست في الجهل دائماً، بل في الخوف، والخوف هنا ليس من الفشل، وإنما من النجاح حين يصنعه الآخرون.
فالمتفوق في بعض البيئات ليس نموذجاً يُحتذى، بل خطرٌ يجب احتواؤه، والمبدع ليس فرصة للتطور، بل مشروع أزمة ينبغي إجهاضه قبل أن يكبر، فكل إنجاز يحققه يوقظ في نفوس الكسالى شعوراً مؤلماً بالمقارنة، وكل فكرة جديدة يطرحها تفضح سنوات طويلة من الركود، وكل نجاح يحققه دون وساطة أو تملق أو انحناء يذكّر الآخرين بأن المشكلة لم تكن في الإمكانات، بل في الإرادة.
غلق الابواب
ولهذا تبدأ الحرب ، ليست حرباً معلنة، فالجيوش الجبانة لا تعلن معاركها ، إنها حرب الظلال؛ حيث تُرفع في وجهه الحواجز بصمت، وتُغلق أمامه الأبواب بهدوء، وتُصنع حوله الشكوك بعناية فائقة ، تبدأ القصة بتهميش بسيط ، ثم تتطور إلى إقصاء مدروس ، ثم تتحول إلى تشويه منظم ، وكلما أثبت الرجل أنه أصلب مما توقعوا، زادوا من جرعات الاستهداف ، إنهم لا يريدون إسقاطه دفعة واحدة، بل يريدون استهلاك روحه بالتقسيط ، يريدون أن يفقد ثقته بنفسه ، وأن يشك في قيمته، وأن يقتنع في النهاية بأن المشكلة فيه لا فيهم ، وحين تعجز المؤامرات عن تحطيمه مهنياً، تنتقل إلى سمعته ، فالسمعة هي الميدان المفضل للعاجزين ، هناك تبدأ ماكينة الهمس بالدوران ، وتتحول الأكاذيب إلى روايات ، وتتحول الروايات إلى قناعات ، ويصبح الرجل مطالباً بإثبات براءته من جرائم لم يرتكبها أصلاً ، وحين يطول الحصار، ينهك التعب صاحبه ، ليس لأن خصومه أقوياء، بل لأن كثرة الطعنات تستنزف حتى أكثر القلوب صلابة ، فيتراجع خطوة ، ثم أخرى ، ثم يختار الصمت ، لا لأنه اقتنع بهم، بل لأنه تعب من شرح الحقيقة لمن لا يريد سماعها.
وعندها يحتفل خصومه بالنصر، يظنون أنهم انتصروا لأن الصوت خفت، ولأن الحضور تراجع، ولأن الرجل الذي أقلقهم سنوات طويلة لم يعد يقاتل كما كان، لكنهم لا يدركون أنهم لم يهزموا خصماً، بل قتلوا قيمة ولم يسقطوا فرداً، بل أسقطوا مثالاً كان يمكن أن يصنع فرقاً.
ومن هنا تبدأ الحكاية فليس كل إهمالٍ نسياناً، وليس كل تجاهلٍ عفويّاً، فثمة أشخاص لا تُرتكب بحقهم جريمة التهميش بسبب تقصيرهم، بل بسبب تفوقهم، وهناك من لا يُحارب لأنه أخطأ، وإنما لأنه أصاب الهدف بدقة، ولأن نجاحه كشف عجز الآخرين، فأصبح وجوده تهمة، وتميزه خطراً، وإبداعه جريمة لا تُغتفر.
رؤية مختلفة
فمن أغرب المفارقات في بعض المؤسسات أن المخلص في عمله لا يُكافأ دائماً، بل قد يكون أول من يُستهدف، فحين يظهر شخص يمتلك رؤية مختلفة، أو قدرة استثنائية على الإنجاز، أو حضوراً علمياً ومهنياً يتجاوز المألوف، تبدأ حوله دوائر القلق بالاتساع، لا لأن المؤسسة تخشى الفشل، بل لأن بعض المسؤولين يخشون المقارنة، فالمبدع مرآة قاسية تكشف حجم العجز، والمتفوق شهادة حية على أن الإنجاز كان ممكناً لو وجدت الإرادة.
ومن هنا تبدأ الحكاية القديمة المتجددة؛ حكاية الاغتيال البطيء للكفاءات ... !
فالمبدع لا يُقصى بقرار مباشر غالباً، فذلك قد يثير الأسئلة، وإنما يُستنزف تدريجياً، تُسحب منه الصلاحيات، وتُهمَّش آراؤه، وتُحارب أفكاره، وتُفسَّر نجاحاته على أنها تهديد للآخرين، تُصنع حوله الشائعات، وتُنسج ضده الروايات، وتُزرع الشكوك في طريقه حتى يفقد الناس ثقتهم به، أو على الأقل يترددوا في الاقتراب منه.
إنها عملية قتل معنوي متكاملة الأركان ..! فبدلاً من أن يكون النجاح سبباً للتقدير، يتحول إلى مبرر للمطاردة، وبدلاً من أن يكون الإبداع جسراً نحو التقدم، يصبح تهمة تستوجب العقاب، وكأن بعض البيئات الإدارية لا تبحث عن أصحاب الكفاءة، بل عن أصحاب الطاعة، ولا تريد من يضيء المكان، بل من يتقن العيش في الظلام.
والمؤلم في الأمر أن الضحية غالباً لا يسقط دفعة واحدة، بل يسقط على مراحل ، يُجرَّد من حماسه أولاً، ثم من مكانته، ثم من سمعته، ثم من ثقته بنفسه. ومع مرور السنوات يتحول ذلك الإنسان الذي كان مليئاً بالطموح إلى كائن منهك يحمل آثار المعارك التي خاضها وحده.
وحين يبلغ مرحلة الصمت، يظن الجميع أنه استسلم، وحين ينسحب من المشهد، يظن الجميع أنه انتهى.
وحين يخفت صوته، يعتقد الذين حاربوه أنهم انتصروا، لكن المفارقة الكبرى تبدأ عند هذه اللحظة تحديداً.
فعندما يصبح ذلك المبدع مجرد ظلّ لما كان عليه، وعندما تتحول أحلامه إلى رماد، وعندما تفقد روحه قدرتها على المقاومة، يبدأ الذين شاركوا في إقصائه بالشعور بشيء يشبه الوخز الداخلي، ليس لأنهم أدركوا قيمة ما فعلوه، بل لأن ضمائرهم ـ إن بقي منها شيء ـ تبدأ بمحاسبتهم على ما اقترفته أيديهم.
وفجأة يتذكرون الرجل الذي حاربوه، يتذكرون صاحب الفكرة التي سخروا منها، ويتذكرون صاحب الإنجاز الذي حاولوا طمسه، ويتذكرون الإنسان الذي تركوه وحيداً في مواجهة آلة التشويه، فيصدر القرار المنتظر: «يجب تكريمه».
وهنا تبلغ المأساة ذروتها.
فالتكريم الذي كان ينبغي أن يأتي يوم كان يقاتل من أجل النجاح، يأتي بعد أن انتهت المعركة. والتقدير الذي كان ينبغي أن يُمنح له وهو يصنع الإنجازات، يأتي بعد أن خسر الكثير من عمره وطاقته وسمعته، والتصفيق الذي بخلوا به سنوات طويلة، ينهمر فجأة في احتفال رسمي لا يغيّر شيئاً من الماضي.
إن بعض لقاءات التكريم لا تكون احتفاءً بالمبدعين بقدر ما تكون محاولة متأخرة لتبرئة الضمير، إنها أشبه بباقة ورد توضع على قبر الحقيقة، وأحياناً تكون شهادة تقدير تُعلَّق على جدار رجل كان يحتاج في الأمس إلى كلمة إنصاف لا إلى إطار ذهبي.
لذلك فإن أخطر أنواع التكريم هو ذلك الذي يأتي بعد أن يؤدي دوره الجنائزي، حين يتحول التكريم من وسيلة لدعم الإنسان إلى وسيلة للاعتذار عن خذلانه، وحين يصبح الاحتفاء بالمبدع مجرد اعتراف متأخر بأن المؤسسة خسرت أحد أفضل أبنائها.إن المبدعين لا يحتاجون إلى التكريم بعد تحطيمهم، بل يحتاجون إلى الإنصاف قبل ذلك ، يحتاجون إلى بيئة تحمي أفكارهم لا إلى لجان ترثيها. يحتاجون إلى دعمٍ وهم واقفون، لا إلى الثناء عليهم بعد سقوطهم.
فالتقدير الحقيقي ليس لوحة تُمنح في نهاية الطريق، بل ثقة تُمنح في بدايته.
إن الأمم لا تنهار حين يكثر فيها الفاسدون فقط، بل حين تضيق بالمخلصين، ولا تُهزم المؤسسات حين ينعدم المال، بل حين يتحول أصحاب الكفاءة إلى أهداف للرماية اليومية، وبعد مدة من الزمن عندما يشيخ الحلم.
وتبرد المعارك، وتخفت الأصوات وتتبدل الوجوه، يبدأ الشعور بالذنب في التسلل إلى النفوس، فتظهر فجأة لغة جديدة لم تكن موجودة من قبل متمثلة بلغة الثناء لغة الاعتراف لغة الامتنان المتأخر، ويأتي القرار الذي طال انتظاره، «يجب تكريم هذا الرجل.» ، يا للمفارقة! .
فحين كان يحتاج إلى الإنصاف قيل له: ليس الآن ، وحين كان يحتاج إلى الدعم قيل له: ليس هذا وقته.
وحين كان يحتاج إلى الحماية تُرك وحيداً في مواجهة الجميع، أما اليوم، وبعد أن استنزف العمر وأكلت المعارك من روحه ما أكلت، فقد أصبح الوقت مناسباً للتكريم!
أي تكريم هذا؟
إنه ليس تكريماً بقدر ما هو اعتراف متأخر بالجريمة، وليس احتفاءً بالعطاء بقدر ما هو محاولة خجولة لغسل الأيدي من آثار الدم المعنوي، فكم من شهادة تقدير وُضعت فوق أنقاض إنسان!
وكم من درع تكريمي جاء متأخراً سنوات عن موعده الحقيقي!
وكم من مسؤول صافح ضحيته مبتسماً بعدما أمضى سنوات وهو يطعنها في الظلام!
إن التكريم الحقيقي لا يكون بعد كسر الأجنحة، بل قبلها، ولا يكون بعد اغتيال السمعة، بل بحمايتها، ولا يكون بعد أن يتحول المبدع إلى حكاية مؤلمة، بل وهو يصنع الإنجاز أمام الجميع، أما أن نحطم الإنسان أولاً، ثم ندعوه لاحقاً لالتقاط صورة تذكارية، فذلك ليس تكريماً.
إنها طلقة الرحمة الأخيرة، رصاصة مغطاة بالمخمل، وجريمة ترتدي ربطة عنق، وحفل أنيق يُقام فوق قبر الحقيقة، ولهذا لا يخيف المبدعين غياب التكريم بقدر ما يخيفهم حضوره متأخراً، فبعض الأوسمة لا تُعلق على الصدور، بل تُوضع على شواهد القبور المعنوية، وبعض شهادات التقدير لا تكرّم أصحابها، بل تدين الذين تأخروا كثيراً في الاعتراف بهم، لهذا كله، كلما شاهدت مبدعاً يُكرَّم بعد سنوات من الإقصاء والتهميش، أتذكر تلك العبارة المؤلمة التي تختصر كثيراً من الحكايات:
«معذرةً... لا يوجد وقت للتكريم.»
ففي كثير من الأحيان، لم يكن الوقت هو المشكلة، بل كانت المشكلة أن بعضهم لم يحتمل رؤية الضوء في عيون الآخرين، وفي الحقيقة، لم يكن الوقت مفقوداً يوماً، وإنما كانت الإرادة غائبة، وكانت الشجاعة غائبة، وكان الاعتراف بالفضل أصعب على بعض النفوس من الاعتراف بالخطأ، وحين جاء وقت التكريم، كان المبدع قد دفع الثمن كاملاً.