الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قانون بلا أخلاق.. هل العدالة مجرد إجراءات شكلية؟

بواسطة azzaman

قانون بلا أخلاق.. هل العدالة مجرد إجراءات شكلية؟

أحمد فاتح محمد

 

إن الإشكالية الكبرى في الفكر القانوني المعاصر تكمن في ذلك الانفصال الذي أحدثته «الوضعية القانونية» بين القاعدة القانونية ومرتكزاتها الأخلاقية، حيث جرى تحويل القانون من وسيلة لتحقيق غاية سامية هي «العدالة»، إلى تقنية جامدة للصياغة الإجرائية. إنَّ القانون، في جوهره التاريخي والأنثروبولوجي، لم يكن يوماً مجرد أوامر تصدر عن سلطة عليا، بل كان تعبيراً عن «إرادة جماعية» محكومة بحد أدنى من الأخلاق التي تضمن بقاء المجتمع. ولكن مع صعود دولة القانون الحديثة، شهدنا انحساراً تدريجياً لـ «روح القانون» لصالح «حرفية النص»، ليتحول المشتغلون به إلى مهندسين للإجراءات، يهمهم اتساق الشكل وتوفر النصاب القانوني أكثر من تلمس الحقيقة أو تحقيق الإنصاف. إننا أمام واقع قانوني يسوده «الوضعيون» الذين يرددون أن «القانون هو القانون»، دون أن يسألوا أنفسهم: هل يمكن لهذا القانون أن يكون مشروعاً إذا ما خلت أحكامه من قيم الحق والخير؟ إن هذه القطيعة بين الأخلاق والقانون هي في حقيقتها قطيعة بين القانون والواقع الإنساني؛ فالمشرع عندما يتجاهل البعد الأخلاقي يفرغ القاعدة القانونية من «مضمونها المعياري» ويحولها إلى مجرد أداة قهر مقننة، يختبئ خلفها الاستبداد تحت عباءة المشروعية، والعدالة هنا تصبح «متاهة» تقنية، حيث يُفصل الحق عن العدل؛ فالقاضي اليوم يجد نفسه في كثير من الأحيان مقيداً بنصوص توفر غطاءً قانونياً لأفعالٍ لا يمكن وصفها إلا بالظلم، وهو ما يطرح سؤالاً فلسفياً وجودياً: هل تحولت المحاكم إلى أمكنة لتقنين الغلبة بدلاً من أن تكون ملاذاً لإحقاق الحق؟

واقعية الإنصاف

إن الهوس «بالشكلانية الإجرائية» قد أدى إلى إضعاف الثقة في المؤسسات القانونية، لأن الناس في نهاية المطاف لا يبحثون عن إجراءات معقدة تنتهي بحكم قضائي قد يكون عادلاً في شكله وجائراً في جوهره، بل يبحثون عن العدالة بمعناها الفطري. إننا نلحظ اليوم تضخماً تشريعياً غير مسبوق، يُستخدم كأداة للتحكم في الأفراد وتوجيه سلوكهم، لكن هذا التضخم، مهما بلغ، لا يمكن أن يعوض غياب الأخلاق في المنظومة القانونية. فالقانون الذي لا يستند إلى قيم أخلاقية هو قانون هش، يفتقر إلى الركيزة التي تجعل منه ملزماً من الداخل، أي في ضمير المجتمع، ليقتصر إلزامه على الخوف من العقوبة المادية. إن هذا التفكيك المنهجي للقيم الأخلاقية من القانون يعكس نزعة سلطوية تسعى لجعل القانون «محايداً» أخلاقياً، والحقيقة أن الحياد الأخلاقي في القانون هو خديعة كبرى، لأن كل قاعدة قانونية هي خيار سياسي، والخيارات السياسية لا يمكن أن تكون مجردة من الانحياز الأخلاقي. إن القول بأن العدالة مجرد إجراءات شكلية هو في جوهره طعن في وظيفة القانون التاريخية؛ فإذا كان القانون لا يهدف إلى إحقاق العدالة، فما الفارق بينه وبين أداة تقنية بحتة لتنظيم الفوضى؟ إننا ندعو هنا إلى إعادة الاعتبار لـ «العدالة التوزيعية» و»العدالة التصحيحية» كجوهر لا ينفصل عن القاعدة القانونية، فالحق الذي لا ينطلق من قيم الخير، والتشريع الذي لا يستمد شرعيته من الإنصاف، هما في نهاية المطاف أدوات لهدم التوازن الاجتماعي. إن الأزمة التي نعيشها هي أزمة «عقلانية تقنية» استغنت عن «الحكمة القانونية»، فصار القاضي خبيراً في النصوص لا خبيراً في القيم. إن إصلاح المنظومة القانونية لا يقتضي فقط تعديل المواد القانونية أو تحسين صياغاتها، بل يقتضي «ثورة فكرية» تعيد الاعتبار للأخلاق كعنصر تكويني للقاعدة القانونية ذاتها، ليكون القانون هو الحارس للقيم لا السجان لها.

شروط شكلية

إن العدالة التي ننشدها ليست هي التي تتحقق في قاعة المحكمة عبر استيفاء الشروط الشكلية فحسب، بل هي تلك التي تعيد للإنسان كرامته، وتجعله يشعر بأن القانون يمثل ضميره لا سلطة المشرع عليه. ولذلك، يظل التساؤل الملحّ قائماً: هل نكتب قانوناً للإنسان أم نكتب قوانين لنحكم الإنسان؟ إن الفرق بينهما هو الفرق بين حضارة تقوم على العدل، وبين نظام يقوم على السلطة. إننا نحتاج إلى مراجعة نقدية لكل هذه «الوضعية» التي استبعدت العقل الأخلاقي من ساحة التشريع، لنعيد للقانون ذلك الوهج الذي كان يربطه بالفضيلة، فبدون الأخلاق، يظل القانون هيكلاً بلا روح، ومجرد آلية باردة تدير صراعات القوى دون أن تحسمها لصالح الحق. إن العدالة، إذا أردنا لها أن تبقى، يجب أن تخرج من قفص الإجراءات لتستعيد مكانتها كأسمى تعبير عن الوجدان البشري، فالحق لا يمكن أن يُختزل في إجراءات، والعدالة لا يمكن أن تُصاغ في جداول، بل هي نداء إنساني، وسعيٌ دائمٌ نحو الكمال الأخلاقي في تنظيم علاقات البشر. إن القانون في كنهه العميق هو «ميثاق للحياة»، فكيف يستقيم أن يكون ميثاقاً للحياة وهو لا يكترث بما هو «خُلقي»؟ إن هذا الاغتراب القانوني يضعنا أمام ضرورة البحث عن «فلسفة للحق» تعلو فوق النصوص، فلسفةٍ تجعل من الإنسان لا من الإجراء، هو المركز والغاية.

ما لم نعد للأخلاق مكانها في قلب القانون، سنظل نبني ناطحات سحاب من النصوص، دون أن نجد فيها مكاناً واحداً لعدالةٍ حقيقيةٍ ترضي الضمير، وتستقر بها النفوس في دولةٍ تنشد الحرية لا التبعية. إن هذه المراجعة هي مسؤولية الفقيه، والمشرع، والقاضي، والمواطن، لإنقاذ القانون من عزلة «التقنية» وإعادته إلى وظيفته النبيلة كأداة لتحقيق الخير العام، وهو المقياس الوحيد لمشروعية أي سلطة، وشرط وجود أي قانون يحترم إنسانية الإنسان ويصون كرامته في عالمٍ يغص بالتناقضات.

 

 


مشاهدات 30
الكاتب أحمد فاتح محمد
أضيف 2026/07/26 - 5:06 PM
آخر تحديث 2026/07/27 - 12:03 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 58 الشهر 29032 الكلي 15934159
الوقت الآن
الإثنين 2026/7/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير