الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لماذا في العراق  : تتقدم الرواية ،، ويتراجع الشعر ؟


لماذا في العراق  : تتقدم الرواية ،، ويتراجع الشعر ؟

كامل الشرقي

 

شهد المشهد الأدبي في العراق خلال العقود الأخيرة تحوّلًا لافتًا تمثّل في تراجع حضور الشعر، الذي كان يومًا ديوان العرب وواجهة الإبداع العراقي، مقابل تقدّم الرواية وازدهارها على مستوى الإنتاج والقراءة والنقد. هذه الظاهرة لم تأتِ من فراغ، بل هي نتاج تحوّلات ثقافية واجتماعية وسياسية عميقة أثّرت في الذائقة الأدبية وأشكال التعبير الفني.

لطالما كان الشعر في العراق فنًّا مركزيًا، ارتبط بالهوية والاحتجاج والتعبير عن الهمّ الجمعي. فمنذ العصر الجاهلي مرورًا بالعصر العباسي، وصولًا إلى شعراء الحداثة مثل بدر شاكر السيّاب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي، شكّل الشعر أداةً للتجديد الفكري ومواجهة الاستبداد والتعبير عن الألم والأمل. وكان الشاعر يحظى بمكانة رمزية عالية في المجتمع العراقي، تتجاوز حدود الأدب إلى التأثير السياسي والثقافي

وفي مقابل ذلك، بدأت الرواية العراقية منذ تسعينيات القرن الماضي، وبشكل أوضح بعد عام 2003، تحتل مساحة متزايدة في المشهد الثقافي. وقد وجد كثير من الكتّاب في الرواية فضاءً أوسع لتمثيل تعقيدات الواقع العراقي، بما يحمله من حروب واحتلالات وانقسامات وهويات متصارعة. فالرواية قادرة على استيعاب التفاصيل اليومية، وبناء الشخصيات، وتوثيق الذاكرة الفردية والجماعية، وهو ما يصعب أحيانًا على القصيدة المكثفة أن تقوم به وحدها

يمكن رصد مجموعة من الأسباب وراء تراجع الشعر، من أبرزها:

تحوّل القارئ: القارئ المعاصر يميل إلى السرد والحكاية، ويبحث عن نصوص طويلة تمنحه فرصة التماهي مع الشخصيات والأحداث.

ضعف المؤسسات الثقافية: غياب الدعم الحقيقي للشعر من مجلات ومنابر نقدية، مقابل اهتمام نسبي بالرواية والجوائز الأدبية.

تكرار التجارب الشعرية: دخول عدد كبير من الشعراء إلى الساحة دون تجديد حقيقي، ما أدى إلى تشبّع المشهد بنصوص متشابهة أفقدت القصيدة بريقها.

هيمنة الجوائز العربية: الجوائز الكبرى غالبًا ما تذهب للرواية، مما شجّع الكتّاب على التحوّل إلى هذا الجنس الأدبي.

من هنا لم يعد يُنظر إلى الرواية في العراق على أنها مجرّد عمل تخييلي، بل أصبحت بمثابة وثيقة فنية تسجّل التحولات الاجتماعية والسياسية. وقد أسهم ذلك في انتشار الرواية العراقية عربيًا وعالميًا، وترجمتها إلى لغات أخرى، الأمر الذي لم يحظَ به الشعر بالقدر نفسه في السنوات الأخيرة.

ورغم الحديث عن تراجع الشعر، فإن هذا لا يعني موته أو نهايته، بل يمكن النظر إليه بوصفه تحوّلًا في مركز الثقل الأدبي. فالشعر ما يزال حاضرًا، لكنه لم يعد الفن المهيمن. وفي المقابل، لا يمكن اعتبار تقدّم الرواية انتصارًا نهائيًا لها، لأن ازدهار الأدب الحقيقي يقوم على التنوع والتكامل بين الأجناس الأدبية لا على إقصاء أحدها

إن ظاهرة تراجع الشعر وتقدّم الرواية في العراق تعكس تحوّلًا أعمق في بنية المجتمع والوعي الثقافي. فالأدب، في جوهره، مرآة للواقع، وكل مرحلة تاريخية تفرض أدواتها التعبيرية. وبين قصيدة تبحث عن لغة جديدة تستعيد أثرها، ورواية تواصل حفرها في الذاكرة العراقية، يبقى الإبداع الحقيقي هو المعيار، لا الجنس الأدبي نفسه


مشاهدات 31
الكاتب كامل الشرقي
أضيف 2026/07/26 - 3:49 PM
آخر تحديث 2026/07/27 - 12:15 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 58 الشهر 29032 الكلي 15934159
الوقت الآن
الإثنين 2026/7/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير