أدب الطفل ليس ترفاً ولا قصة قبل النوم.. خبراء يناقشون مواجهة العولمة بالإنتماء للموروث
بغداد – علي الدليمي
في قاعة دار الكتب والوثائق الوطنية ، التقت نخبة من الأكاديميين والكتاب والباحثين حول سؤال واحد: كيف نحمي طفل اليوم من رياح العولمة دون أن نعزله عن العالم؟
العنوان كان واضحاً وصريحاً «الانتماء والموروث وقيم المواطنة.. أدب الطفل في مواجهة العولمة»، وأدارته الاكاديمية انعام طالب حسن التي وضعت النقاش مباشرة في قلب التحدي.
تحدثت في المقدمة عن تسارع التكنولوجيا، وعن دخول الذكاء الاصطناعي إلى غرف الأطفال قبل أن يدخل إلى مناهجنا، وعن المحتوى المفتوح الذي لا يفرق بين مفيد وضار.
المحاضر الرئيس للندوة كان أديب الأطفال جاسم محمد صالح، الذي وصل إلى دار الكتب ومعه تاريخ طويل يتجاوز المئة كتاب في أدب الطفل. وقبل أن تبدأ الكلمات، كان المعرضان المفتتحان يقولان ما تريد الندوة قوله: الأول ضم إصدارات مجلة دراسات الطفولة العربية، والثاني كان استعراضاً لمسيرة المحاضر نفسه، مئة عنوان تقف على الرفوف كشاهد على أن الكتابة للطفل يمكن أن تكون مشروع عمر.
استهل صالح حديثه بتأكيد لا يقبل التأجيل: أدب الطفل ليس ترفاً ولا قصة قبل النوم. هو ركيزة في بناء الشخصية. هو الوسيلة الأولى التي نغرس بها الصدق والأمانة والتعاون واحترام الآخر. وهو أيضاً المرآة التي يرى فيها الطفل نفسه، ويفهم بها مجتمعه، ويتعلم كيف يتفاعل مع بيئته دون عدوانية أو انكفاء.
ولأن العولمة لم تعد نظرية في الكتب، بل تطبيقاً يومياً على هاتف الطفل، ذهب المحاضر إلى النقطة الأصعب. كيف نوجه الطفل نحو استخدام واعٍ للتكنولوجيا؟
قال إن (المنع لم يعد حلاً، والحل ليس في إغلاق الشاشة بل في ملئها بما يستحق. في قصص هادفة، في روايات تبني الخيال، في فنون جميلة تعلمه أن الجمال فعل مقاومة. حماية الطفل من المحتوى غير الملائم لا تتم بالحجب فقط، بل بتقوية مناعته الثقافية).
وفكك صالح أدب الطفل إلى عناصره كي يثبت أنه سلاح متعدد. القصة في المقدمة لأنها الأكثر التصاقاً بالخيال، وهي التي ترسخ القيم دون خطابة. الشعر والأناشيد لأن الإيقاع يدخل الأذن قبل العقل ويبني الحس اللغوي، المسرح لأنه يحول القيمة إلى حوار وتمثيل وعمل جماعي. الحكايات الشعبية والأساطير لأنها تحمل الموروث بأسلوب لا يمل منه الطفل، وتجعله يعرف من أين جاء. والمجلات والكتب المصورة لأنها تجمع بين المتعة والمعرفة، وتكسر الحاجز بين القراءة واللعب.
اسئلة عملية
في القاعة كان الحضور يتفاعل، أساتذة جامعات، كتاب، أعضاء أسرة تحرير مجلة دراسات الطفولة العربية. لم يكن النقاش نظرياً. تحول إلى أسئلة عملية: من يكتب للطفل العراقي اليوم؟ من يرسم له؟ من ينتج له كارتوناً بلغته؟ وكيف ننافس منصات عالمية بميزانيات ضخمة؟
كانت الإجابات تدور حول فكرة واحدة: علينا أن نكف عن جلد الذات والبدء بالعمل. علينا أن نؤمن أن الانتماء لا يُلقن، بل يُحكى. وأن المواطنة لا تُحفظ، بل تُمارس في قصة. وأن الموروث ليس متحفاً، بل مادة حية يمكن تحويلها إلى حكاية شعبية، إلى شخصية كارتونية، إلى لعبة تعليمية.
وفي ختام الندوة، كان التكريم لافتاً بدلالاته. منحت دار الكتب والوثائق درع الإبداع والتميز للمدير العام بارق رعد علاوي، تقديراً لدعمه المستمر للحراك الثقافي. وردّ علاوي بتقديم شهادة تقديرية لصالح، عرفاناً بجهوده العلمية وإسهامه في إثراء النقاش.
ثم أعلن عن افتتاح جناح خاص يحمل اسم الدكتور جاسم داخل الدار، ليكون مكتبة مفتوحة لكل باحث وطالب وأم تبحث عن كتاب لابنها. خطوة رمزية لكنها تقول إن الدولة تتذكر من يزرعون في الأطفال. وبعد انتهاء الكلمات الرسمية، لم ينتهِ الحديث. تحولت القاعة إلى ورشة نقاش مفتوحة. تحدث الحاضرون عن ضرورة تدريب كتاب جدد، وعن إنشاء جوائز لأفضل كتاب طفل، وعن التعاون بين وزارتي الثقافة والتربية لإدخال قصص عراقية في المناهج.
وتحدث آخرون عن خطر أن نترك الطفل فريسة لخوارزميات لا تعرف لغتنا ولا تاريخنا، خرجت الندوة بتأكيد واحد: المواجهة مع العولمة لا تكون بالرفض، بل بالبديل. والبديل يبدأ من كلمة. من قصة عراقية عن نخلة ودجلة، من أنشودة عن بغداد، من مسرحية مدرسية عن التعاون، من مجلة ينتظرها الطفل كل شهر.
أدب الطفل، كما قالت الندوة، هو درعنا الناعم. لا يصدر ضجيجاً، لكنه يبني. لا يرفع شعارات، لكنه يغرس. وفي زمن تتغير فيه الهويات بسرعة، يبقى السؤال الذي طرحته دار الكتب والوثائق معلقاً: أي عالم سنسلمه لأطفالنا؟ عالم نحن صنعناه لهم، أم عالم صنعوه هم بلا يد منا؟