باكو تنصب بيت للثقافة على ضفاف بحر قزوين
ريبورتاج من مهرجان خيمة الإبداع العربي
باكو - حمدي العطار
في باكو لا تبدو المدينة عاصمة حديثة تتزين بناطحات السحاب ومشروعات العمران المتسارعة فحسب، بل تبدو كأنها قصيدة طويلة كتبتها الحضارات المتعاقبة على ضفاف بحر قزوين. هنا تتجاور أسوار المدينة القديمة مع الأبراج الزجاجية ويتصافح الشرق والغرب في مشهد يجعل الزائر يشعر أن التاريخ لا يغادر المكان بل يرافقه في كل شارع وساحة ومقهى.
وفي هذا الفضاء الذي يجمع القارات والثقافات، نُصبت خيمة الإبداع العربي لتتحول باكو لعدة أيام إلى بيت عربي كبير تتعانق فيه اللهجات وتتقارب التجارب الأدبية وتذوب المسافات بين بغداد والرباط والرياض والقدس، والجزائر وستوكهولم، تحت راية الثقافة التي لا تعترف بالحدود.فمن الخامس إلى التاسع من تموز، احتضنت العاصمة الأذربيجانية فعاليات مهرجان خيمة الإبداع العربي، الذي نظمه المركز الثقافي الاجتماعي الدولي في السويد بالشراكة مع صالون خيال الثقافي في المملكة العربية السعودية، في دورته الرابعة - دورة الشاعر الكبير الجواهري- وتحت شعار (من ضفاف الرافدين الى جبال القوقاز ابداع عبر الحدود) بمشــــاركة نخبة من الأدباء والــــــــشعراء والفــــــــــــــــــنانين والأكاديميــــــــين والإعلاميين من مختلف البلدان العربية وعدد من الدول الأوروبية في تظاهرة ثقافية أكدت أن الإبداع ما يزال القاسم المشترك الأجمل بين الشعوب.
استــــــهل حفل الافتـــــــــــــــتاح بعزف السلام الجــــــــــمهوري العراقـــــي في لحــظة حـملت الكــــــــثير من الـــــــــــــــدلالات الإنسانية والثقافية قبل أن تتولى الشاعرة الجزائرية نور الشمس نعيمي تقديم الحفل، فكانت كلماتها الرشيقة وجسرها الجميل بين الفقرات تمنح الأمسية دفئا خاصا.
ممثل سفارة
ورحب رئيس المهرجان عباس الحكيم بالمشاركين مؤكدا أن المهرجان يسعى إلى ترسيخ ثقافة الحوار والانفتاح وبناء شراكات إبداعية تتجاوز الجغرافيا مشيرا إلى أن تنوع المشاركين من العراق وفلسطين والمغرب والجزائر والسعودية ولبنان وكردستان العراق، إلى جانب السويد والدنمارك وهولندا، يعكس اتساع مساحة الثقافة العربية وقدرتها على التواصل مع العالم.
كما حضر ممثل سفارة جمهورية العراق في أذربيجان السيد فراس، ناقلا تحيات السفارة، ومؤكدا دعمها للمبادرات الثقافية التي تعزز حضور المثقف العربي في المحافل الدولية، فيما أكد الأستاذ صالح السويد، رئيس صالون خيال الثقافي» أن الثقافة تبقى الاستثمار الأجمل في بناء الإنسان» بينما أشادت السيدة زكية حمد الحجي بأهمية استمرار مثل هذه اللقاءات التي تجمع المبدعين العرب في فضاءات عالمية. وعندما أُطفئت أضواء الكلمات، أضاء الشعر القاعة. تعاقب الشعراء على المنصة حاملين تجاربهم القادمة من بلدان مختلفة، فقرأ كل منهم جزءا من وطنه وشيئا من ذاكرته، وهمومه، وأحلامه. شاركت في الأمسية الشاعرات هند أحمد، وهند المطيري، وحليمة مذكر، وسناء عطاري، وضياء الفحام، إلى جانب الشاعر عثمان كوكبي شاد، والكاتبة سوما حسن، والشاعرة نور الشمس نعيمي، فكان الشعر هو اللغة التي وحدت الجميع. ولم يكن الفن بعيدا عن المشهد، إذ مزج الفنان ستار الساعدي بين الموسيقى والشعر في عرض جمع الإيقاع بالكلمة، قبل أن تختتم الأمسية بسهرة فنية شارك فيها بشرى علي وعبد الجليل الحلوائي، لتتحول القاعة إلى مساحة فرح عربية امتزجت فيها الألحان بمشاعر الحنين.
وفي اليوم التالي انتقل المهرجان من جماليات الشعر إلى أسئلة الفكر، حيث قدم البروفيسور هاشم الموسوي محاضرة فكرية، فيما تناول الكاتب حمدي العطار في محاضرته الفروق الفنية بين القصة القصيرة والرواية، مستعرضا تطور السرد العربي وتحولات بنيته الحديثة، كما نوقشت رواية للكاتبة سوما حسن، وقدمت الشاعرة أزمي حسني شرافة قراءة في تجربتها الشعرية وديوانها «جنون العشق المباح»، فيما أدار الإعلامي أمجد توفيق الجلسات بحيوية واقتدار.
واستمرت الأمسيات الفنية بمحاضرة عن الموسيقى قدمها الدكتور ناصر بدن بمشاركة الفنانين ستار الساعدي وبشرى علي، أعقبتها سهرة فنية انضمت إليها الفنانة لمياء سليمان من السويد، لتكتمل لوحة احتفت بجميع أشكال الإبداع.
معالم باكو
ولأن التعرف إلى المدن جزء من فهم ثقافتها، اصطحب المنظمون ضيوف المهرجان في جولات إلى أبرز معالم باكو التاريخية والحضارية، ثم إلى مدينة شهداغ الجبلية، حيث امتزج جمال الطبيعة بعراقة المكان، لتتحول الرحلات إلى مساحة أخرى للحوار والتعارف وتبادل الخبرات. واختُتمت أيام المهرجان بتكريم عدد من الأدباء والفنانين والمثقفين، احتفاءً بعطائهم وإسهاماتهم في خدمة الثقافة العربية، في لحظة امتزج فيها الامتنان بالمحبة، والتقدير بالأمل. لم يكن مهرجان خيمة الإبداع العربي برنامج من الأمسيات والمحاضرات فحسب، بل كان رسالة ثقافية تؤكد أن الكلمة قادرة على عبور الحدود، وأن الشعر والموسيقى والفن ما تزال تمتلك القدرة على جمع القلوب حين تعجز السياسة عن ذلك. وفي مدينة كانت عبر تاريخها ملتقى للقوافل والحضارات، أثبتت باكو مرة أخرى أنها تعرف كيف تستقبل المبدعين، وكيف تمنح الثقافة بيتا جديدا يطل على العالم.