الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
في فيينا.. هلال ناجي وشونبرون وأنا

بواسطة azzaman

في فيينا.. هلال ناجي وشونبرون وأنا

ضرغام الدباغ

 

كان لي أبن خال، وهو المحامي المشهور والشاعر والأديب هلال ناجي، توفي إلى رحمة الله تعالى منذ سنين، وكان أبو زيد (ويكنى هلال هكذا) كان قد تجول في أوربا في الخمسينات (1957)، وتلك كانت قصة كبيرة في تلك الأزمان، فزار العديد من الدول، ومن تلك التي زارها النمسا وعاصمتها الفاتنة فيينا. ومن بين أهم ما يستحق الزيارة في فيينا، قصر شونبرون(Schonbrunn Schloss)، وهو قصر عريق وله تاريخ طويل شيد (1638 - 1543 (وكان مقراً للملوك الهابسبورغيينن/ Habsburgs)، فالقصر يستحق المشاهدة والتمعن والتأمل في أثاثه وجدرانه وحدائقه، ولك أن تتخيل ما مر بهذا القصر من أحداث جسام، من مسرات ونكبات. يروي لنا أبن الخال هلال ناجي أنه خلال زيارته تلك للنمسا، مضى إلى قصر شونبرون وطاف أرجاءه، وفي القصر حديقة حيوانات شهيرة، وخلال جولته شاهد جملاً عربياً يقف في باحة قفصه، يقول هلال ويبدع في القول وهو الشاعر والكاتب الأريب، واصفاً الجمل ... يقول أنه يرفع رأسه بأباء وشمم .... فكتب واحدة من أجمل قصائده «في شونبرون للأزل يا جمل « .. يرثي بها حال الجمل الذي يمد بصره بعيداً رافعاً هامته، فلا يرى صحاري بلاده الحبيبة، فقريباً سيهطل الثلج في هذه البلاد الغريبة، أين صحاري بلادي الحبيبة أين واحاتها الظليلة .. ليتني أتنسم هواها مرة قبل أن أموت ... آه عليك يا جمل ... اللعنة على كل الظروف التي جاءت بك إلى هنا .. قالوا لك أنها زيارة عمل، أو تجارة هكذا قالوا .. ولم تدرك أنك ستكون حبيس شونبرون إلا بعد فوات الأوان ... لا تلمني يا صاحبي ... انا ماض غدأ سأسلم لك على الأهل والأحباب .. كان بودي لو أعانقك .. أو أجلب لك حفنة من رمال بلادنا .. تحمل وأحتمل يا جمل.. فأنت من تحمل التبر والخيرات والنعم والمقاتلين .. سيد الغزوات أنت .. تحمل الأسر .. إنك باق يا للأسف في شونبرون للأزل .. يا جمل.

مجموعة جمال

في ربيع عام 1972 .. كان لي شأن في فينا، فطلبت من أصدقائي هناك أن أزور شونبرون، فدهشوا لأني أعرف

موقعاً كهذا ولم أكن قد زرت فيينا من قبل، وفي شونبرون قلت لهم أريد أن أشاهد الجمل، وأخذوني حيث توجد

مجموعة جمال مزدوجة السنام، فقلت لهم لا .. ما هذه التي أريدها .. أريد الجمل العربي، فسألوا ثم أخذوني حيث الجمل .. ربما كان غير الجمل الذي شاهده أبو زيد، أو نفسه، من يعلم .. تأملته كثيراً وتذكرت طفولتي، وصباي، وأحاديث وقصص أبن الخال العزيز أبو زيد .. تذكرت بلادي .. بواديها وأنهارها .. تأملت أين هنا .. وما الذي أتي بي إلى هذه الديار .. تأملت كل شيئ بعمق وأستنكاه .. نحن ننتمي لبعضنا أنا والجمل وحرف الضاد، والرمال، ودجلة والفرات، والصمون والخبز الحار من التنور .. والكيمر والكاهي، وعشق الوطن .. هذه أشياء اختلطت ببعضها فلم يعد بالامكان لا ساحر ولا جراح نطاسي أن يفكها .. ولماذا يفكها .. هو أرتباط محبب أن تحب شيئاً ويحبك مدى الحياة ..

وداعاً يا جمل شونبرون .. يكفيك فخراً أنك أبن تلك الربوع بها ولدت وعليها عشت ولها تموت، أدر رأسك يا جمل صوب الديار ساعة الاحتضار، تنسم هوائها، تخيل نخيلها، وأسلم الروح راضياً مرضياً، وسوى ذلك سحر وتنجيم ... إنها قسمة وأقدار ما لك بها من خبر أو خيار .. تغمد الله هلال ناجي أبو زيد برحمته الواسعة، ولد هلال في القرنة، وكان من أشهر المحامين في بغداد، كاتباً وشاعراً، ومحققاً للعديد من المخطوطات، وعاش في عدة مدن منفياً، في القاهرة، وديبلوماسياً في اسبانيا وتونس، وباكستان وتوفاه الله في المستشفى بالهند ودفن في السليمانية حسب وصيته.

« إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الارحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير. صدق الله العظيم»


مشاهدات 56
الكاتب ضرغام الدباغ
أضيف 2026/07/04 - 2:30 PM
آخر تحديث 2026/07/05 - 2:47 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 193 الشهر 4466 الكلي 15909593
الوقت الآن
الأحد 2026/7/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير