نظرة في إستراتيجية مكافحة الفساد
محمد العسكري
السيادة حالة شرعية تشمل أحد أركانها الأساسية الاستقلال المؤسساتي والمالي، وتوفر قواعد تنظيمية لإدارة موارد الدولة بعدالة وشفافية، مما يضمن حقوق المواطنين وتقديم الخدمات الأساسية من خدمات صحية وتعليمية وبيئية وغيرها، لكي يضمن مستقبل الدولة والأجيال القادمة لأي بلد. فلا سيادة لأي دولة بدون السيطرة الفعلية على مواردها الاقتصادية والبشرية والثقافية، وإن حدث شرخ في أحدهما فإن الفشل والانهيار لا مفر منه.
تغيير انظمة
وتعاني الدول التي تعرضت إلى سلسلة من الحروب وتغيير في أنظمتها السياسية ودساتيرها وقوانينها، كالعراق، من مشاكل عديدة عطلت النمو والتطور الاقتصادي للبلد، وأربكت حساباته في اللحاق بركب دول العالم المتقدم، حتى عجز عن مساوة دول الجوار التي لا توازيه في مواردها الاقتصادية والبشرية. وتعد آفة انتشار الفساد في العراق من أخطر المعاضل التي واجهها منذ عقود. فتفشي الفساد والاستحواذ على المال العام واستغلال المناصب، وجني ثروات مالية، والاستيلاء على أملاك الدولة أو المواطنين العزل بطرق غير شرعية، سواء بقوة السلاح أو التهديد أو الإكراه والابتزاز أو استغلال النفوذ السياسي والحكومي، جميعها تؤدي إلى الانهيار، وليس فقط للدولة بل للمجتمع، وتقضي على آخر امل يربط بين المواطنين والماسكين بالسلطة. والتاريخ شاهد على سقوط ونخور وضياع إمبراطوريات ودول كانت في يوم ما عظمى، فدب فيها نمل الفساد وتغلغل في أجسادها وبدأ ينتشر حتى أكل كل مقومات قوتها ونجاحها وبقائها.
فالأمثلة كثيرة، كيف كانت الدولة العباسية وامتداد أراضيها وسلطتها، حتى نادى يومًا هارون الرشيد الغيوم وقال لها: (أمطري حيث شئتِ، فإن خراجكِ يأتيني ) وبعد سنوات بدء صعود عدد كبير من الحواشي والصعاليك، إلى سدة الحكم، فحوصرت عاصمتهم بغداد من قبل المغول، ولم تقوى تلك الإمبراطورية على الدفاع عن نفسها، وكذلك ما حدث للدولة العثمانية والإمبراطورية الفارسية وغيرها، وهذا حدث في الماضي. وفي العصر الحديث، وعرفنا كيف كان بركان الفساد في بعض الدول العربية والأفريقية منتجًا لما يسمى الربيع العربي، فتجويع الشعوب والتضييق على أرزاقهم جعل الشرارة الأولى تنطلق من تونس الخضراء. وتُزال جدران زين العابدين بن علي وحرمه المصون، وتخرج الأموال والمصوغات النفيسة التي كانت مخبأة خلف الجدران، وما أشبه الأمس باليوم. وما حدث في مصر وكيف سمح حسني مبارك لأبنائه وأحفاده وأقاربه وأصدقائه بالسيطرة على مقدرات مصر الاقتصادية . فحدث الطوفان من ثورة عارمة أطاحت به وقادته إلى المحاكمة، وجعلت نهايته مأساوية. ولم يشفع له دوره الكبير في حرب أكتوبر عام 1973، وما حدث في سوريا في عهد بشار الأسد، وكثير من الدول الأفريقية ودول أمريكا اللاتينية التي تعاني إلى يومنا هذا من الفساد وغسيل الأموال والثراء الفاحش من اموال الشعب بكل أشكاله. ويبدو أن بعض الأحزاب والسياسيين لم يركزوا جيدًا على دروس الماضي والحاضر، وتفننوا بطرق عجيبة وغريبة في الاستحواذ على أموال وموارد الشعب. وكلما عجزت الخزينة عن تأمين رواتب الموظفين، حمّلوا المواطنين تعويض العجز من خلال زيادة الضرائب وارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود وغيرها من المواد الأساسية، ويعاقبونهم مرة ثانية بأن يسددوا ما تم سرقته من قبل الفاسدين لسد العجز المالي . أما الطبقة المترفة والفاسدون، فإن ضمائرهم مستترة، فتقديرها… من منحكم السلطة على رقاب الناس؟ كفاءتكم أم نضالكم أم العملية الديمقراطية العرجاء المشوهة المبنية على الغش والتزوير، واختيار أنظمة انتخابية تتطابق مع أهوائكم وتضمن لكم الفوز في عدة مقاعد.
من خلال مخيلتكم بتشكيل أي حكومة قادمة بعد الانتخابات بعرضها في مزاد علني في سوق النخاسة، والتجارة، وذلك بتفعيل نظرية المحاصصة المقيتة. والمضحك المبكي أن الأحزاب تتفاخر علنًا في وسائل الإعلام بأن لديها كذا مقعد، وعليه فإن استحقاقاتها 3 أو 4 وزارات وكذا سفير، وكذا وكيل وزارة، ومدير عام، ومدير، وغيرها. وهذه سابقة لم تشهدها دول العالم في كيفية تشكيل الوزارات؛ فقط في العراق. والذين كانوا يشككون بقيادة رجل أعمال، ويقولون دائمًا ويرددون أن ليس لديه خبرات سياسية متراكمة، ففاجأهم بقرارات شجاعة وحاسمة، وجعل الجميع ينظر إلى الرئيس علي الزيدي وكأنه لغز لا يدركون ما هو قراره القادم. ففي فترة وجيزة من استلامه المسؤولية لا تتعدى الستين يومًا، أعاد العلاقات الإيجابية والمتطورة مع الدول العربية، وخاصة دول الخليج والإقليم، وكذلك مع المجتمع الدولي، واتخاذه قرارات لا يجرؤ أحد من سبقه على اتخاذها، وهو قرار حصر السلاح بيد الدولة، وإعطاء توقيتات لإنهاء هذا الملف الذي يقلق العراقيين، وقبلهم دول الإقليم، وقراره الشجاع في عملية (صولة الفجر)، والبدء بتنظيف بعض مخلفات الفاسدين والسياسيين والمسؤولين، والطريقة القانونية لتنفيذ أوامر الاعتقال التي استندت إلى مبادئ القانون بحذافيرها، وأوامر إلقاء القبض التي صدرت من القضاء العراقي الشجاع المميز، ورفع الحصانة البرلمانية، وذلك بالتنسيق مع رئاسة البرلمان، واختيار قوات أمنية مناسبة لتنفيذ هكذا واجبات وقدرتها على التطبيق بشكل فعال. ولكن هل كان هناك ملاحظات على التنفيذ بكل تأكيد.
ما يلاحظ من سلبيات في هذه العملية هو الإسراع بنشر معلومات عن الشخصيات المطلوبة، مما أعطى لهم فرصة للإنذار المبكر لترتيب بعض أوراقهم وإخفاء الأدلة كالأموال والمصوغات الذهبية والتسجيلات الهاتفية وغيرها، وكذلك إعطاء إشارات إلى عوائل وأقارب وأصدقاء المتهمين بالهرب أو نقل الأموال إلى أماكن أخرى، مما فوت الفرصة على زيادة غلة الصيد الثمين. وكذلك الإشهار بأسماء المطلوبين، فقد وفر الفرصة المثالية لهم أن يغادروا خارج البلد أو يختفوا، أو يختبئوا في أماكن غير معروفة. وأيضًا كثرة التقارير الإعلامية، وما نتج عنها من تضخيم وزيادات مبالغ فيها في المبالغ أحيانًا من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي.
انتشار الرعب
وهذا ينتج عنه انتشار الرعب واليأس لدى المواطنين عندما يلاحظون أن هذه الأموال الكثيرة جدًا قد سُرقت من أشخاص معدودين، فكيف الحال في المؤسسات الأخرى؟ كان يفترض الانتهاء من الصفحة الأولى من العملية الوطنية لمكافحة الفساد، والخروج ببيان أو مؤتمر صحفي مقتضب يوضح الحقائق وما تم تحقيقه ليكون مرجعًا أساسيًا رسميًا حقيقيًا، ويبعد التكهنات الإعلامية، وينهي الفوضى التي أضاعت فيها الحقيقة، وأربكت المشهد الذي كان يمكن أن يضع (سيناريو) متقنًا يحقق الأهداف الشجاعة الباهرة لخطوات الزيدي، وكذلك القيام بالكشف عن مواقع المحافظات والمدن التي تذهب إليها القوات الأمنية لتنفيذ عملية ما لمكافحة الفساد. كان ينبغي أن نعمل ونسترشد بقول الرسول الأعظم محمد (ص): “استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان” حتى تنتهي العملية لكي نحقق المباغتة والمفاجأة للنيل من رؤوس الفساد. فقد يؤدي هذا التسرع في الإعلان والإجهار إلى جلب انتباه الوزارات والمؤسسات والدوائر الأخرى التي يشتبه بقيام بعض مسؤوليها أو منتسبيها بأعمال فساد، وما أكثرها. وهذا مما يمكنها من اتخاذ إجراءات سريعة لترتيب وضعها وإخفاء الأدلة وغيرها من المبرزات الجرمية التي تدينهم. قد يقول البعض: نحن في العراق نحتاج إلى هذا النشر لطمأنة الشعب. نعم، ولكن يمكن حساب الفائدة الكثيرة من حبك خطة إعلامية ناضجة تتضمن عدم إعطاء أي فرصة للفاسدين بأن يعيدوا ترتيب أوراقهم من جديد.
مما يتضح للعيان أن البلد منخور نتيجة لتعرضه لأكبر آفة فساد منذ عقود، وأن حمل لواء محاربة الفساد يتوجب علينا كواجب وطني وشرعي وأخلاقي، وعلى كافة أبناء الشعب، للوقوف خلف من حمل هذه الراية، والتي أنتجت عن بزوغ نور في سماء ملبدة بالسواد، لأن الرئيس الزيدي لا يكافح الفساد، بل هو في معركة بدأت مع (الفرهود) الذي هو أعلى قمة من قمم الفساد. أوقفوا الفرهود حتى تعيد هيبة العراق في المجتمع الدولي، وتحترمنا باقي الشعوب، وتعيد الثقة بالعملية السياسية وبالحكومة. ودائمًا ما نقول هناك خيرون، (وإن خليت قلبت ) وسدد الله عز وجل خطى كل من يثأر لإعادة أموال وشموخ العراقيين. وأخيرًا، إذا ألقينا نظرة على دول كافحت الفساد كيف أصبحت الآن، مثل إندونيسيا وسنغافورة وماليزيا وتايلاند، ودول لا زالت ليس لديها القرار الشجاع والثقة بنفسها، وضعف قادتها، لا زالت تراوح في الجهل والتخلف، وعدم القدرة على النهوض مثل بعض الدول في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وبعض الدول العربية. القرار الشجاع والثقة بالنفس والاعتماد قبل كل شيء على الله سبحانه وتعالى والشعب هو الطريق الصحيح لفتح صفحة جديدة من صفحات التقدم والرفاهية للعراق.
□ فريق ركن دكتور