كيف يكون الصبر والوداع؟
فيان القبطان
رأيتهما معًا.. رأيت الصبر وهو يقف عاجزًا أمام سرير والدي، الأغلى بين من أحبهم، ورأيت الوداع يسلب الروح ببطء، لا في لحظة واحدة، بل في ألف لحظة.
كأن جبالاً تعتصر الأرض وتزهق منصهر لهيبها.. رأيت أنفاسه تخفت، وأعضاء جسده تذبل واحدًا تلو الآخر، وأنا لا أملك إلا أن أقترب منه وأردد عند أذنه: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله؛ فينظر إليّ بعينيه، رافعاً إصبعه، وكأن قلبه يجيب قبل لسانه.. لا أدري إيمانًا؟ أم دعاءً؟ أم وداعًا أخيرًا لا يعلمه إلا الله؟
يقولون: هذه سنة الحياة… لكن أيُّة حياةٍ تلك التي تنتزع منا من نحب، وتتركنا نراقب أرواحهم وهي تتهيأ للرحيل؟ أيُّ امتحانٍ هذا الذي يرينا جسداً ما زلنا نحتمي به.. منذ طفولتنا الى أن أطفأته الشيخوخة.. نتأمله يضعف شيئًا بعد شيء، بينما قلبي يتشبث بروحه؛ خشية أن يتركني وحيدة؟
كيف يمكن للإنسان أن يمسح روحًا سكنت وجوده؟ كيف يمحو ذاكرةً عاش فيها العمر كله؟ كيف ينسى تاريخًا كُتب بالحب والتعب والمواقف والحنان؟ إن الراحل لا يغيب حين يغمض عينيه، بل يبقى حاضرًا في كل زاوية، وفي كل دعاء، وفي كل نبضة قلب.
اللهم إن كانت هذه لحظات لقائه بك، فإرحمه رحمةً تليق بعظيم كرمك، وهوّن عليه سكرات الموت، وإجعل آخر عهده بالدنيا شهادة لا إله إلا الله، وافتح له أبواب جنتك، وأنر ما تركه في قلوبنا ضوءاً لا ينطفئ، وإجمعنا به في مستقر رحمتك، حيث لا فراق بعد اليوم.