قراءات في القانون الخاص.. وسائل بديلة لحل النزاعات المدنية
عصمت عبد المجيد بكر
أولاً: الوسائل البديلة لحل المنازعات المدنية (التحكيم والوساطة القضائية)
(دراسة مقارنة)
من المسلم به أن الحكم القضائي هو نهاية طبيعية للخصومة والنزاع، وهو يُعتبر نتاج القضاء وثمرة التقاضي، ولتحقيق هذا الهدف يتجه الأفراد إلى المحاكم للوصول إلى غايتهم، ورغم أن اللجوء للقضاء هو حق مكفول للجميع ويتمتع بضمانات منها ما يتعلق بصحة القضاء والاطمئنان إلى حسن سير العدالة والحياد وغيرها من ضمانات التقاضي، ولكثرة المشاكل والتعقيدات التي صاحبت النهضة الحديثة، فقد أصبحت الإجراءات القضائية والتقاضي أمام المحاكم تعاني من البطء في الإجراءات وطول الوقت والمدة والتكاليف العالية، وما يصاحب هذه المسألة من إشكاليات عند تنفيذ هذه الأحكام التي صدرت عن القضاء مما قد يلحق أضراراً بمصالح الخصوم بسبب طول الوقت الذي تستغرقه الإجراءات أمام المحاكم وتعدد درجات التقاضي وتنوع وتعدد طرق الطعن بهذه الأحكام.
لذلك بات من الضروري البحث عن وسائل بديلة لحسم النزاع وإنهاء الخصومة بعيداً عن ساحات القضاء والتخفيف عن كاهل القضاء، ومن هنا برزت الحاجة إلى وسائل بديلة لحل المنازعات المدنية، ومنها التحكيم بين الخصوم لحل المنازعات لما يتميز به من سرعة من حيث الوقت وقلة في التكاليف وبساطة واختصار في الإجراءات التي قد تستغرق وقتاً طويلاً أمام المحاكم.
ويقصد بالتحكيم الاتفاق على طرح النزاع على شخص معين أو أشخاص معينين ليفصلوا فيه دون المحكمة المختصة، وبمقتضاه يتنازل الأطراف عن حق اللجوء للقضاء مع التزامهم بطرح النزاع على محكم أو أكثر ليفصلوا فيه بحكم ملزم للخصوم، وقد يكون هذا الاتفاق مذكوراً في صلب العقد وتبعاً له ويسمى (شرط التحكيم)، وقد يكون هذا الاتفاق بمناسبة نزاع معين قائم فعلاً بين الخصوم ويسمى في هذه الحالة (مشارطة التحكيم) أو (اتفاق التحكيم)، ويجوز الاتفاق عليه في نزاع معين أو جميع المنازعات التي تنشأ عن العقد. ويسمى أيضاً العقد التحكيمي أو وثيقة التحكيم، ويطلق عليه قانون المرافعات المدنية العراقي رقم (٨٣) لسنة ١٩٦٩ اتفاق التحكيم، ومن مزايا التحكيم: سرعة الإجراءات في تسوية المنازعات، والحفاظ على أسرار الأطراف، والمرونة وبساطة الإجراءات، وحرية المتخاصمين في اختيار المحكمين، وكذلك حرية الأطراف في اختيار مقر التحكيم وقلة التكاليف والمصاريف، ومع ذلك فلا يخلو التحكيم من عيوب، ومن أبرزها: إصدار أحكام تحكيم غامضة أحياناً وخالية من الأسباب التي استند إليها المحكمون في إصدار قرار التحكيم، مما يؤدي لانتزاع الثقة من المحكمين وصعوبة تنفيذ قرارهم، وكذلك تعذر استنفاد طرق الطعن ولا سيما في البلد الذي ينفذ فيه قرار التحكيم مما يتسبب بعدم إمكانية تنفيذه لعدم اكتسابه الدرجة القطعية أو الباتة حسب قوانين البلد الذي يراد التنفيذ فيه، وكذلك تلكؤ الأطراف في تنفيذ قرارات التحكيم الصادرة ضدهم وبسبب إجراءات التنفيذ، أو تقاعس السلطات المختصة في الدولة التي يتم فيها تنفيذ قرار التحكيم عن القيام بتلك الإجراءات، وعدم جدية أو نزاهة بعض أعضاء هيئة التحكيم أو عدم معرفتهم بإجراءات التقاضي أو انحيازهم للجهات التي قامت باختيارهم خطأً، مما يؤدي إلى صدور أحكام ضارة بطرفي النزاع أو أحدهما.
وحسناً فعل الأستاذ الدكتور القاضي (يحيى شكر محمود) بتأليف هذا الكتاب القيم، والذي يسد فراغاً في المكتبة القانونية، وقد صدر عن مكتبة القانون المقارن في بغداد عام ٢٠١٦م، ويقع في (٣١٥) صفحة، وقد تطرق المؤلف إلى شروط التحكيم وأركانه وأنواع التحكيم ونطاق عقد التحكيم وطبيعته القانونية والموقف القانوني منه، وقام بتمييز التحكيم عما يشتبه به من نظم، كالقضاء والخبرة والصلح والوكالة والتحكيم بالصلح والتحكيم بالقضاء، مبيناً أوجه التناقض بين الأحكام القضائية وأحكام التحكيم، وسبل إزالة هذا التناقض.
وإلى جانب التحكيم، ظهرت الوساطة القضائية كنظام بديل للقضاء الرسمي وهي وسيلة إجرائية بديلة، إذ يتم اللجوء إلى شخص محايد يُعرف بالخبرة والنزاهة والكفاءة لغرض المساعدة في فض المنازعات بين الأطراف، وصولاً لتسوية النزاع بصورة كلية أو جزئية، وتولى المؤلف تعريف الوساطة في اللغة وفي الاصطلاح القانوني، والطبيعة القانونية للوساطة القضائية وأهداف الوساطة القضائية ومميزاتها والضمانات الإجرائية فيها، والشروط الواجب توفرها في الوساطة القضائية، مبيناً إجراءات الوساطة القضائية وطرق الطعن بالوساطة القضائية.
زخم الدعاوي
ونظراً لما يواجه القضاءَ من معضلات ومشكلات، وزخم عدد الدعاوى يوماً بعد آخر، لذلك بات من الضروري التفكير جدياً بالبحث عن وسائل أخرى بديلة لحل المنازعات المدنية، كالتحكيم والوساطة القضائية وإصدار القوانين المقتضية لذلك، وإصدار قانون خاص بالتحكيم بدلاً من أحكام التحكيم المنصوص عليها في قانون المرافعات المدنية النافذ، مع تنظيم أحكام الوساطة القضائية بقانون خاص بالوساطة القضائية، كل ذلك بهدف المساهمة في التخفيف من الأعباء الثقيلة الملقاة على عاتق القضاء، إضافة إلى سرعة حسم المنازعات المدنية، مع الاستفادة من تجارب الدول العربية في هذا المجال. وقد اعتمد المؤلف على مجموعة قيمة من المصادر والمراجع مع الإشارة إلى تجارب فرنسا ومصر ولبنان.
ثانيًا: دراسات في القانون الخاص (القانون المدني رقم (٤٠) لسنة ١٩٥١)
من المعروف أن القانون لم يكن يوماً حبيس السطور، فالقانون الذي لا يطبق لا قيمة له، ولا بد أن يُترجم على أرض الواقع، ولا بد من مغادرة قدسية النصوص، وأن يتحرر القاضي والباحث وطالب العلم من عبادة النصوص، فالتمسك بحرفية النصوص رغم التطور الحاصل في المجتمع يعني عزل القانون عن الواقع، هذا ما ورد في مقدمة كتاب صدر حديثاً للأستاذ القاضي الدكتور (عواد حسين ياسين العبيدي) نائب رئيس محكمة استئناف كركوك، والأستاذ الدكتور (عامر عاشور عبد الله البياتي) الأستاذ في كلية القانون بجامعة كركوك ثم العميد لكلية القانون بجامعة الحمدانية، تحت عنوان (دراسات في القانون الخاص (القانون المدني رقم (٤٠) لسنة ١٩٥١).
وقد ضم الكتاب مجموعة من البحوث المنشورة للأستاذين في مجلات علمية ورصينة ومحكمة علمياً لتنشرها، وقد حرصا على انتقاء البحوث العلمية التي لها مساس بالواقع العملي والتي لا تخلو من إشكاليات علمية، وأن تكون على درجة من العلمية، وقد تم التنويه في مقدمة الكتاب بأن امتزاج الجهد العلمي الأكاديمي مع العمل القضائي الذي يقوم على العلم والتجربة والمران يعطي نتائج مقبولة ورصينة، وهو ما يؤكد حقيقة التكامل والتعاون بين الأساتذة الأكاديميين والقضاة، فكانت هذه التجربة المشتركة بواكير التعاون الجاد والمتواصل، وفي الكتاب نقرأ البحث المعنون بـ(الحماية المدنية من الأضرار الفاحشة للمولدات الكهربائية) والذي سبق نشره في العدد (١٧) ج ٢ لعام ٢٠١٦ من مجلة كلية القانون للعلوم القانونية والسياسية بجامعة كركوك، ومالك المولدة يُسأل عن الأضرار الفاحشة الناجمة عن المولدة، والمتمثلة بالغازات السامة والضوضاء والأصوات المزعجة، وتقدير ما إذا كان الضرر فاحشاً أو غير فاحش يعد مسألة موضوعية يترك تقديرها إلى سلطة قاضي الموضوع، وهو يعتد في هذا التقدير بظروف الحالة المعروضة عليه، ويراعى في ذلك (العرف، طبيعة العقارات، وموقع كل منها بالنسبة للآخر، والغرض الذي خصصت له)، وللقاضي الاستعانة برأي الخبراء من ذوي الاختصاص كل في مجاله، ولمن أصابه ضرر فاحش من المولدة الكهربائية مقاضاة مالكها والمطالبة بالتعويض، والتعويض إما أن يكون (عينياً) أو (نقدياً)، علماً بأن الرخصة الإدارية الممنوحة من الجهات الإدارية لمالك المولدة لا تحول دون مسؤولية مالك المولدة عن الأضرار الفاحشة، مع أن أسبقية وجود المولدة الكهربائية تعصم مالك المولدة عن الأضرار الناتجة عن المولدة وعلى المضرور أن يدفع الضرر بنفسه، وانتهى البحث بجملة مقترحات لتعديل عدد من المواد القانونية.
وضم الكتاب بحثاً للأستاذ الدكتور عامر عاشور عبد الله البياتي بعنوان (القياس في القانون المدني والفقه الإسلامي) المنشور في مجلة الرافدين للحقوق، المجلد (١٥) العدد (٥٢) السنة (١٧)، والقياس هو تطبيق نص يتناول حالة معينة على حالة غير منصوص عليها لوجود تشابه في الحكمة بين الحالتين، وللقياس أربعة أركان، هي: الأصل (المقيس عليه)، والفرع (المقيس)، وحكم الأصل، والعلة، وللقياس أربع صور هي: القياس الأولي، وقياس المساواة، والقياس الأدنى، والقياس العكسي، وذهب جمهور فقهاء الشريعة الإسلامية إلى أن القياس حجة شرعية على الأحكام، ويمثل المرتبة الرابعة بعد القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والإجماع في سلم المصادر الشرعية، واختلف الفقه القانوني حول الدور الذي يلعبه القياس في القانون المدني بثلاثة آراء: رأي يعد القياس وسيلة من وسائل التفسير، ورأي آخر يعد القياس مصدراً رسمياً للقانون، ورأي ثالث يعد القياس ليس مصدراً تفسيرياً ولا مصدراً رسمياً للقانون وإنما يحتل مكاناً وسطاً بينهما.
كما اختلف الفقه القانوني حول الموقع الذي يحتله القياس بين المصادر الرسمية للقانون المدني، وانتهى البحث بجملة مقترحات لتعديل بعض المواد القانونية.
ونقرأ في هذا الكتاب بحثاً للأستاذ الدكتور (عامر عاشور عبد الله البياتي) بعنوان (قاعدة الأقل يتبع الأكثر) المنشور في مجلة كلية القانون للعلوم القانونية والسياسية بجامعة كركوك، العدد (١٤) ج٢/ السنة ٢٠١٥، ويقصد بهذه القاعدة بأن مالك الشيء الأكثر قيمة يتملك الشيء الآخر الأقل قيمة منه بعد دفع قيمته، وتطبيق هذه القاعدة يتطلب توفر عدة شروط، وانتهى البحث بعدد من التوصيات المتضمنة تعديل بعض المواد القانونية.
بحث مشترك
وضم الكتاب بحثاً بعنوان (المسؤولية المدنية عن تعسف البلدية في منح إجازة البناء) وهو بحث مشترك بين الأستاذين الدكتور عواد حسين ياسين العبيدي والدكتور عامر عاشور عبد الله البياتي، والمنشور في مجلة جامعة تكريت للحقوق، العدد (٢٠) لسنة ٢٠١٦، وانتهى البحث بعدد من النتائج المهمة، إضافة إلى عدد من التوصيات التي تستهدف تعديل بعض المواد القانونية، مع فتح دورات متخصصة للموظفين في مجال عمل الإدارة وتبصيرهم وتوعيتهم من الناحية القانونية في حالات منح إجازة البناء وفق القانون، وضرورة تجنب التعسف في استعمال سلطتهم بما يجنب الإدارة دفع تعويض للمتضررين جراء تعسف الموظفين في عدم منح إجازة البناء، وكذلك دراسة إمكانية إنشاء محكمة قضاء إداري في مركز كل منطقة استئنافية وذلك لغرض تقريب القضاء الإداري للأفراد، وتخفيف زخم الدعاوى المنظورة من محكمة القضاء الإداري في بغداد.
ونقرأ في هذا الكتاب بحثاً للأستاذ الدكتور عامر عاشور عبد الله البياتي بعنوان (مسؤولية المساح المدنية عن الخطأ في تثبيت حدود العقار) المنشور في مجلة كلية القانون للعلوم القانونية والسياسية بجامعة كركوك/ العدد (١) السنة ٢٠١٢، فمساح دائرة التسجيل العقاري هو المسؤول عن الخطأ في تثبيت الحدود في حالة ظهور زيادة أو نقص في الأبعاد أو ظهور القطعة في غير موقعها الصحيح، وهو الملزم بتعويض الأضرار المادية التي تصيب مالك العقار نتيجة الخطأ في تثبيت حدود العقار.
وضم الكتاب أيضاً بحثاً للأستاذ القاضي عواد حسين ياسين العبيدي بعنوان (التعسف في استعمال حق التقاضي في الدعوى الجزائية والآثار المترتبة عليه مدنياً وجزائياً (دراسة معززة بالتطبيقات القضائية)) والمنشور في مجلة التشريع والقضاء، السنة السادسة، العددان الثالث والرابع، ويقصد بالتعسف أن يمارس الشخص فعلاً مشروعاً بالأصل بمقتضى حق شرعي أو حق مقرر بنص القانون، أو بمقتضى إباحة مأذون فيها شرعاً أو قانوناً، وينحرف باستعمال الحق المشروع على وجه يلحق بغيره الأضرار أو يخالف حكمة المشروعية التي قصدها الشارع، وانتهى البحث إلى وجود تقارب كبير بين معايير التعسف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي وفي القانون المدني، وهذا دليل على أن الفقه الإسلامي مصدر من مصادر القانون المدني العراقي، وأن التعسف في استعمال حق التقاضي في الدعوى الجزائية فرض نفسه وبقوة في الآونة الأخيرة على الساحة العملية لكثرة الدعاوى الكيدية التي يسعى أصحابها من خلالها إلى الانتقام من خصومهم، ومحاولة المساس بشرفهم ومكانتهم الاجتماعية، والعبث بأهم حق من حقوق الإنسان وهو حق (الحرية)، ومن الضروري إيجاد الوسائل الكفيلة لمحاربة الدعاوى الكيدية، ونؤيد المقترح الذي يدعو القضاء إلى وضع حد للشكاوى الكيدية والكاذبة، وإيجاد الوسائل التي تمنع البعض من استغلال القضاء للإضرار بالآخرين.
وللأستاذ القاضي عواد حسين ياسين العبيدي بحث بعنوان (اجتهاد القاضي في مورد النص بين نهي التشريع ومقتضيات العدالة) والمنشور في مجلة التشريع والقضاء، السنة الثالثة /العدد الرابع/ ٢٠١١.
ومن المعروف أن قاعدة (لا مساغ للاجتهاد في مورد النص) ولدت في أحضان الفقه الإسلامي، ومن ثم فإن الطريق الأمثل لفهمها فهماً صحيحاً هو الإحاطة بعلم أصول الفقه وقواعده، وأن لا تُؤخذ هذه القاعدة على إطلاقها من منع الاجتهاد بكل صوره عند وجود النص أياً كان نوعه، وأن يكون حاضراً دائماً في الأذهان ما أوجده علماء أصول الفقه الإسلامي من قيود على هذه القاعدة، وأن يكون حكم القاعدة هو النهي عن الاجتهاد في حالة وجود نص صريح قطعي دون سواه من النصوص الظنية التي لا تمنع من الاجتهاد في مورد النص، لذلك بات من الضروري العمل على فتح باب الدراسات التخصصية للقضاة في علم أصول الفقه الإسلامي، إذ لا بد للقاضي وهو في عمله أن يجتهد للوصول إلى الحكم العادل، وهذا الأمر بلا شك يحتاج إلى دراية وإحاطة تامة بفنون هذا العلم الجليل، وبغية تنمية القدرات الاجتهادية والنهوض بواقع الاجتهاد وبنائه على أسس علمية رصينة، كما أن من الضروري الاهتمام بالأحكام الاجتهادية القضائية ومحاولة جمعها وتوثيقها والعمل على نشرها في المجلات المتخصصة.