أحلام محترقة
محمد كاظم الفاضلي
شعور غريب وصادم مشاهدة صور انتشرت في منصات السوشل ميديا قيل إنها لاموال أُحرقت قبيل وصول الجهات المعنية لمنزل احد الفاسدين.
وبغض النظر عن صحة الرواية المتداولة أو تفاصيل الحادثة التي ينبغي أن تحسمها التحقيقات الرسمية، فإن المشهد بحد ذاته مؤلم و يثير أسئلة تتجاوز قيمة تلك الاموال المحترقة.
فالمال حين يُحرق لا يُنظر إليه بوصفه أوراقًا فقط، بل بوصفه رمزًا للسلطة والنفوذ والمصالح التي يخشى أصحابها انكشافها. وفي المجتمعات التي تعاني من ضعف الثقة بين المواطن والمؤسسات، تتحول مثل هذه الصور على الفور لمادة خصبة للتأويل، لأنها تلامس ذاكرة تنزف من الشكوك حول الفساد وإخفاء الأدلة وتهريب الثروات.
المفارقة أن العراقيين اعتادوا خلال العقود الماضية رؤية الثروات وهي تتبخر بأشكال مختلفة ، تارة بالحروب، وأخرى بالعقوبات، وثالثة بالفساد وسوء الإدارة.
لذلك فإن صورة المال المحترق، سواء كانت حقيقية أو رمزية، تستدعي في الذاكرة الجماعية سؤالًا مؤلمًا كم من الموارد أُهدرت بعيدًا عن أعين العراقيين ، و كم من الاحلام احترقت معها؟
الدولة لا تُبنى على الانطباعات والصور المتداولة وحدها، بل على الحقائق والأدلة. لذلك فإن المسؤولية تقع على حكومة السيد الزيدي في كشف ملابسات أي حادثة للرأي العام بشفافية كاملة ، فالغموض هو البيئة المثالية لنمو الشائعات، بينما الحقيقة الموثقة هي الطريق الوحيد لاستعادة الثقة.
إن أخطر ما في هذه المشاهد ليس احتراق الأموال نفسها، بل احتراق ثقة الناس إذا بقيت الأسئلة بلا إجابات ، فالمجتمعات تستطيع تعويض الخسائر المادية، لكنها تجد صعوبة أكبر في تعويض الثقة المفقودة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
لهذا تبقى القضية الحقيقية ليست: هل احترقت الأموال؟ بل: لماذا ما زال العراقيون مستعدين لتصديق أن المال العام يمكن أن يختفي أو يُتلف أو يُخفى في أي لحظة؟
هذا هو السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده ونتناقش بشأنه .