العراق 2026.. السوق السوداء تلتهم قوت الضعفاء
راجي العوادي
في بلادٍ تغفو على بحيرات من النفط ، وتستيقظ على ميزانيات انفجارية تُقدّر بمئات تريليونات الدنانير، يجد المواطن العراقي نفسه في عام 2026 يخوض أشرس معاركه اليومية ؛ لا لطلب رفاهية ، بل لتأمين أبسط مقومات البقاء الإنساني .
لقد تجاوز قطار الغلاء محطات المواد الكمالية والسلع الثانوية، ليستقر بنصلهِ الحاد على رقاب الفئات الأكثر ضعفاً وهشاشة في المجتمع العراقي .
اليوم ، تحوّلت علبة حليب الرضيع وحبة دواء المتقاعد إلى أدوات مضاربة في سوق سوداء علنية ، تُدار بجشع حيتان الاحتكار، وتُبارك بصمتٍ حكومي مريب يصمّ آذانه عن أنين البيوت المفجوعة بقوتها اليومي .
المفارقة العراقية.. رواتب ميتة وأسواق تشتعل
تعيش العائلة العراقية اليوم في ظل معادلة اقتصادية مشوهة ومستحيلة الحل:
جمود قسري للدخل: رواتب الموظفين والمتقاعدين قابعة في ثلاجة التجميد، وسلّم الرواتب الجديد تحوّل إلى سراب يلاحقه الكادحون ، ويرافقه تصاعد مخيف في معدلات البطالة بين الخريجين والشباب.
انفلات جنوني للأسعار: في المقابل ، تشهد الأسواق منذ مطلع عام 2026 قفزات سعرية شبه يومية ، حوّلت الدينار العراقي إلى ورقة بلا قيمة فعلية أمام جشع المحتكرين , حتى وزارة التجارة ضاعفت استيفاء ثمن مفردات البطاقة التموينية 100المئة ووزارة الكهرباء فرضت على كل مشترك 3 الالاف دينار شهريا بدل طبع فاتورة الكهرباء
ان الموظف والمتقاعد العراقي بات يعيش حالة عسر اقتصادي ، حيث يذهب الراتب كاملاً في الأسبوع الأول من الشهر لتغطية الإيجار والمولد الأهلي ، لتبدأ رحلة الاستدانة من أجل الدواء والغذاء.
مستلزمات الأطفال .. خنق الطفولة في مهدها
لقد تحولت أسواق الشورجة ومستودعات المحافظات إلى مقصلة لأحلام الآباء. أسعار حليب الأطفال والمستلزمات الصحية (كالحفاضات والمطهرات) شهدت ارتفاعاً غير مبرر تجاوز الـ 50بالمئة منذ بداية هذا العام , حتى اصبح الأب العراقي يضطر للمفاضلة بين شراء علبة حليب لطفله أو توفير وجبة طعام لبقية إخوته ، فإننا لا نتحدث هنا عن تضخم اقتصادي، بل عن جريمة إنسانية موصوفة, حيث تراجع القدرة الشرائية أجبرت بعض العوائل الفقيرة على اللجوء لبدائل حليب غير صحية، مما يهدد بنشوء جيل يعاني من سوء التغذية والأمراض المزمنة في بلد يعد من أغنى بلدان المنطقة.
بورصة المذاخر .. المرض لمن استطاع إليه سبيلاً!
على الجانب الآخر من المأساة ، يقف المتقاعد العراقي الذي أفنى زهرة شبابه في خدمة مؤسسات الدولة براتب تقاعدي هزيل لا يتجاوز بضعة مئات من آلاف الدنانير ذهولاً أمام عتبات الصيدليات.
في ظل شح الأدوية في المستشفيات الحكومية ، فتحولت أدوية الأمراض المزمنة (الضغط ، السكري، أمراض القلب ، والأورام) إلى رهينة بيد كارتيلات المذاخر والتجار. يُسعر الدواء وفقاً لمزاجية المضاربة بالدولار في السوق الموازية ، ليجد الشيخ الطاعن في السن نفسه عاجزاً عن شراء قطرة عين أو حبة دواء تحميه من جلطة مفاجئة. إنها تجارة سوداء صريحة تُباع فيها أجساد المرضى في سوق المزايدات.
أين الدولة؟ ولماذا هذا الصمت المطبق ؟!
السؤال الذي يتردد في كل زاوية ومقهى وشارع عراقي : أين دور الأجهزة الرقابية؟ إن الصمت الذي تبديه الجهات التنفيذية ووزارتا التجارة والصحة، وتراخي جهاز الأمن الاقتصادي عن ضرب الرؤوس الكبيرة للمحتكرين، لم يعد يُفسّر على أنه عجز إداري، بل بات يراه الشارع تواطؤاً برعاية رسمية.
حماية المستهلك؟ مجرد لافتة كرتونية لا تملك أنياباً.
الأمن الاقتصادي؟ حملات موسمية وإعلامية تستهدف صغار الكسبة وتترك الحيتان الكبار الذين يتحكمون بمنافذ الاستيراد والمذاخر الكبرى بفضل علاقاتهم ونفوذهم.
الحلول الفورية
إن الأمن الغذائي والصحي هو خط الدفاع الأخير عن الاستقرار المجتمعي في العراق ، والاستمرار في تجاهل هذا الغليان المعيشي هو لعب بالمسامير الصدئة. الحل لا يتطلب لجانًا تسويفية ، بل قرارات فورية شجاعة :
التسعير الإجباري والباركود الموحد: إلزام نقابة الصيادلة ووزارة الصحة بطباعة السعر الرسمي بالدينار العراقي على كل علبة دواء وحليب أطفال، ومعاقبة أي صيدلية أو تذخير يخالف ذلك بالإغلاق الفوري وسحب الرخصة.
إطلاق سلة الرعاية العاجلة : تفعيل دعم مباشر واستثنائي من الميزانية لتوزيع حليب الأطفال والمستلزمات الطبية مجاناً أو بأسعار رمزية مدعومة عبر شبكة الحماية الاجتماعية ومراكز الرعاية الأولية.
تحديث سلم الرواتب : ربط رواتب صغار الموظفين والمتقاعدين بمؤشر التضخم الحالي لعام 2026 فمن غير المنصف إبقاء الرواتب جامدة أمام أسواق تشتعل على مدار الساعة.
كسر احتكار الحيتان : دخول الدولة كتاجر مستورد ومنافس عبر الأسواق المركزية الحكومية، لاستيراد حليب الرضع والأدوية الأساسية مباشرة من المناشئ العالمية وبيعها للمواطن بسعر التكلفة لكسر ظهر الاحتكار.
خلاصة القول .. إن العراق لا يمر بأزمة شُح في الموارد ، بل بأزمة ضمير وإدارة فصراخ الأطفال من الجوع ، وأنين المتقاعدين من المرض ، هي ذمم معلقة في رقاب صناع القرار.