الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إمتياز المجموعة الصعبة.. العراق حين يواجه العالم

بواسطة azzaman

إمتياز المجموعة الصعبة.. العراق حين يواجه العالم

الجلوس على طاولة الكبار لا يُقاس بالحضور فقط  إنما بأخذ استحقاقه كاملاً

كاظم نزار الركابي

 

أنطلقت صافرة بوسطن، وبدأت المواجهات، والعراقيون يملؤون منصات التواصل بنبرة واحدة: المجموعة صعبة، والحظوظ محدودة، والخروج المبكر احتمال كبير. كلام منطقي، لكنه يُخطئ السؤال. السؤال ليس: هل يعبر العراق مجموعة تضم فرنسا والنرويج والسنغال؟ السؤال الأعمق: ماذا يعني أن يقف العراق، في هذه اللحظة من تاريخه، أمام هالاند ومبابي وأمام مئات الملايين من العيون التي تُتابع العالم عبر كرة القدم؟ الجواب يتجاوز النتيجة إلى معنى الحضور نفسه.

حين تعيد القرعة تعريف الخصم

 سُمّيت المجموعة مجموعة الموت. غير أن التسمية الأدق، من زاوية عراقية أوسع، هي: مجموعة الامتياز. المنتخب الذي يعود إلى المونديال بعد أربعين عامًا لا يحتاج طريقًا سهلًا فقط — يحتاج منصة كبرى تثبت للعالم أنه عاد فعلًا. في الدبلوماسية قاعدة يعرفها كل من جلس على طاولات التفاوض الكبرى: الدولة التي تُدعى للجلوس مع الأقوياء، حتى في موقع أضعف، تخرج من الطاولة بشيء لا يُشترى — الاعتراف. الحضور ذاته رسالة. والوقوف أمام الكبار لا يمنحك النصر بالضرورة، لكنه يمنحك اختبارًا لا تصنعه المواقف السهلة. من هنا يأتي ما أسميه “امتياز المجموعة الصعبة”: القيمة التي لا تُقاس بالنقاط وحدها، إنما بما تُضيفه مواجهة الكبار إلى وعي الفريق بنفسه وإلى صورة البلد في عين العالم. المجموعة الصعبة لا تكشف الضعف فقط — تكشف أيضًا مقدار ما يحتاجه العراق كي يصير حاضرًا بالمستوى الذي يستحقه.

هالاند والدرس الأعمق

 إرلينغ هالاند ليس مهاجمًا عاديًا. إنه أنموذج لوضوح الوظيفة. لا يحتاج إلى أن يفعل كل شيء كي يكون خطيرًا. يعرف بدقة أين يقف، ومتى يتحرك، وكيف يحوّل نصف فرصة إلى تهديد كامل. لذلك تعيد المنتخبات التي تواجهه كثيرًا من حساباتها الدفاعية من أجل احتوائه وحده. هذا درس كروي، لكنه في الجوهر درس في بناء القوة. الفرق مثل الدول لا تنجح حين تحاول أن تكون كل شيء في وقت واحد. تنجح حين تعرف وظيفتها الأساسية وتبني حولها خطة واضحة. المنتخب الذي يعرف حدوده يستطيع أن يُصعّب المباراة على خصم أقوى منه. والدولة التي تعرف دورها تفرض احترامها حتى حين لا تملك كل عناصر القوة. العراق في بوسطن لا يواجه هالاند وحده — يواجه سؤالًا عن نفسه: هل يستطيع أن يكون منظمًا، صبورًا، عارفًا بما يريد، ومؤمنًا بأن الحضور أمام الكبار يحتاج عقلًا باردًا لا حماسًا وحده؟ تعادله مع إسبانيا بطلة أوروبا قبل أسابيع أعطى إشارة مهمة: الفريق قادر على الوقوف بثقة حين يلتزم بدوره. هذا لا يصنع ضمانة، لكنه يصنع ما هو أهم — قابلية المواجهة.

الحضور كفعل ستراتيجي

 كأس العالم ليس جدول نقاط فقط. هو أكبر مسرح رمزي لصورة الدول، وأكثر منصة شعبية لبناء الانطباع عن الشعوب. العراق في بوسطن لا يلعب أمام النرويج فقط — يلعب أمام جاليات عراقية تنتظر لحظة الفخر، وأمام مواطنين تجاوزوا الأربعين لم يروا منتخب بلادهم في كأس العالم من قبل، وأمام صورة نمطية التصقت بالعراق طويلًا: بلد الحروب والأزمات. ولهذا فإن الوقوف بكرامة واللعب بانضباط وإظهار روح الفريق عناصر من حضور وطني يتجاوز النتيجة. الدول الصغيرة أو المتعبة لا تصنع حضورها العالمي بالانتصارات الكبرى وحدها. تصنعه أحيانًا بإصرارها في اللحظات الصعبة. كوستاريكا حين أدهشت العالم في 2014 لم تكن تملك تاريخ إيطاليا ولا إنكلترا، لكنها امتلكت وضوحًا وثقة وانضباطًا. والمونديال يفتح دائمًا نافذة لمن يعرف كيف يطلّ منها على العالم.

سردية لا يملكها الآخرون

فرنسا تحمل نجومها وذاكرة نهائياتها الكبرى. النرويج تحمل هالاند وجيلًا يريد أن يثبت نفسه. السنغال تحمل قوة إفريقية صاعدة. أما العراق فيحمل شيئًا مختلفًا تمامًا: سردية شعب عاد بعد أربعين عامًا إلى المسرح الذي غاب عنه طويلًا. هذه السردية لا تملكها فرنسا ولا النرويج ولا السنغال. سردية بلد جرّب الحروب والحصار والانقسام والإرهاب، ثم ظل شعبه يحفظ للكرة مكانًا في قلبه. سردية أجيال وُلدت بعد مونديال المكسيك، وسمعت عن أحمد راضي كأنها تسمع عن أسطورة من زمن بعيد، وها هي ترى منتخبها يعود أخيرًا. لذلك لا يدخل العراق هذه البطولة بأقدام لاعبيه فقط، بذاكرة بلد كامل. وكل تمريرة محسوبة، وكل وقفة دفاعية شجاعة، وكل لحظة انضباط، ستقول للعالم شيئًا عن العراق الذي يريد أن يُرى خارج صور الجراح.

الثلاثاء في بوسطن حين تنطلق الصافرة، لن يكون الملعب مسرحًا لنتيجة فقط. سيكون لحظة اختبار لصورة بلد. الخسارة الوحيدة التي لا تُغتفر هي أن يغيب العراق وهو حاضر. أن يدخل الملعب وكأنه يعتذر عن وجوده بين الكبار. امتياز المجموعة الصعبة لا يظهر كله يوم المباراة. يظهر بعد سنوات، حين يتذكر جيل عراقي أن منتخبه وقف أمام هالاند ومبابي، ولم ينظر إلى نفسه بوصفه ضيفًا زائدًا في البطولة، إنما بوصفه بلدًا عاد كي يُثبت أنه ما زال هنا. الدول لا تُبنى بالانتصارات وحدها. تُبنى بالشجاعة على المواجهة في اللحظات التي يتوقع فيها الجميع غيابها. والعراق في بوسطن — حدث يستحق أن يُكتب عنوانه بخط عريض.

 


مشاهدات 44
الكاتب كاظم نزار الركابي
أضيف 2026/06/16 - 12:20 AM
آخر تحديث 2026/06/16 - 1:26 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 135 الشهر 14917 الكلي 15890398
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/6/16 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير